الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
10:23 م بتوقيت الدوحة

جيجك واللاجئون

جيجك واللاجئون
جيجك واللاجئون
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك وتنوعها وغرائبيتها سبب أكيد لشهرته، وهي تناقش القضايا بمرجعيات فلسفية وسياسية ونفسية وأيضا سينمائية. كتابه «سنة الأحلام الخطيرة» كان عن العام 2011، وأذكر أنه في أحد فصول هذا الكتاب كان يتحدث عن زيارته لقطر، ويناقش حقوق العمال الأجانب. وهذه لزمة حسنة في فكر اليساريين، الالتفات للطبقات الدنيا، وحقوق الأضعف في المجتمعات.
لكن ما هو مفاجئ اليوم أن جيجك اليساري أصبح في طليعة المنتقدين لحضور المهاجرين إلى أوروبا، وانتقد ما أسماه النظرة «الرومانسية» المتعاطفة مع اللاجئين. وهذا هو موضوع جيجك في كتابه الأخير «اللاجئون، الإرهاب، ومشاكل أخرى مع الجيران». بداية، لنا جميعا أن نعرف أن النزوح والهجرة أمر لم ترغبه الشعوب التي هجرت نفسها، ولا جهة محددة لها يد في صنع هذا الخيار الجماعي، الذي ينتج عادة عن مأساة جماعية. إنها مشكلة مركبة، ولذا هي تلقي بظلال إشكالياتها على الشعوب المنكوبة، وعلى الدول المجاورة وكذلك المستضيفة على السواء.
وبالطبع فيلسوفنا الذي تمسك بشيوعيته لأنه يائس من الأوضاع القائمة في أوروبا لديه تبريراته المتنوعة التي جعلته يتخذ مثل هذا الموقف، وتحدث حولها في مقابلاته ومقالاته. جيجك قال كلاما كثيرا حول أسباب موقفه، ويبدو أن أهمها مسألة التباين الثقافي، وأن أوروبا لها مبادئ وثقافة تختلف جذريا عن الجيران، ومن الغفلة الحديث عن تعايش الثقافات وأننا نتشابه «لا.. نحن لسنا متشابهين، هناك فروق كبيرة بيننا» هكذا يعلن جيجك!
بجانب التباين الثقافي، يهمني أن أنبه لكمية القضايا التي استدعاها جيجك بتكلف في سياق حديثه عن اللاجئين؛ فالإرهاب وتصاعد خطره إشكالية لها ارتباط هنا، مع أن جيجك لم يربطه باللاجئين بشكل مباشر، لكنه بعد يتكرر حضوره في الجدل لدرجة تشكك في الداعي من استدعائه! أيضا تقلص فرص العمل والمعاناة الاقتصادية يراها تؤدي لمزيد من التوتر بوجود المهاجرين، وكذلك لم يغفل عن فتح باب الجدل حول الجانب الديمقراطي في الموضوع، وأن الأغلبية في أوروبا يرفضون حضور المهاجرين لبلدانهم. إن جيجك هنا يقوم بربط مشاكل طبيعية قائمة قبل أزمة اللاجئين الأخيرة بهم.
هذا الربط للاجئين بمشاكل قائمة في أوروبا سببه أن جيجك مثل هابرماس، لا يخرج عن دوائر التفكير المنغلقة على أوروبا، وقد باهى من قبل أنه حتى النقد لمركزية الفكر الأوروبي هو نقد أوروبي أيضا، وهذا ما يؤكد انتقاد المفكر حميد دباشي لجيجك وأمثاله من المفكرين الأوروبيين أنهم ما زالوا محصورين في قوقعتهم الأوروبية.
جيجك الذي كتب عن الثورات العربية، وتداخل معها، وكتب حتى عن بعض الثورات القديمة في الإسلام باعتبار أنها ثورات طبقية (شيوعية)، يخطئ حين يتجاسر على مناقشة ما يحدث لدى جيرانه في الشرق، وهو في داخل هذه القوقعة، ومن ذلك كتابته عن الثورة السورية وأن الصراع زائف ومتوهم في سوريا. لا يفترض إذن أن تفاجئنا صراحته وتعاضده اليوم مع مكنون العقل الأوروبي الرجعي تجاه قضية اللجوء. هناك مشاكل فكرية في مسائل التعايش والتسامح، وهذا صحيح. لكن إسقاط هذه الإشكالات ليتضرر منها الطرف «الأضعف»، هو الأشكال الأكبر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

وداعاً «في العمق»

07 نوفمبر 2016

الفرد ومشاكله المالية

10 أكتوبر 2016

السعودية وقانون جاستا

03 أكتوبر 2016

تركة العدناني

05 سبتمبر 2016

ذاكرة الكراهية

29 أغسطس 2016