الجمعة 16 ذو القعدة / 19 يوليه 2019
11:29 م بتوقيت الدوحة

مجتمع النظام الأبوي

مجتمع النظام الأبوي
مجتمع النظام الأبوي
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب على رأس العلاقة الهرمية، وله إرادة مطلقة يفترض أن يتم التسليم بها والخضوع والطاعة لها.
هذا التنظيم والتركيب المبني على علاقات القوة تغلغل وأصبح ثقافة ونسقا سائدا في العالم العربي. كل من يمتص اضطهادا من أعلى يعيد إنتاجه على من يرى أنه دونه. ومع هذا الحس والنظام تتخشب مفاصل المجتمع وتتعسر حركته، لأنه يعتمد القسر بدل التفهم، والإخضاع بدل التعاون. كان من ضمن ملاحظات ابن خلدون الاجتماعية أن النفوس التي تعتاد القهر وأخلاق الطاعة والإخضاع هي نفوس تفسد ويسطو بها القهر والضيق وتعتاد الكسل والخبث والمراوغة.
وهذا ما انتقده شيخ الفلاسفة برتراند راسل في كتابه «السلطة والفرد»، حين ضرب مثلا بالموظف الذي يتصرف كرجل عظيم اعتاد أن يظهر بمظهر المتسلط على الفرد العادي. يقول راسل: «إن هذه الظاهرة توجد لدى الموظفين كافة ولكن بدرجات متفاوتة.. الواقع يشير إلى أن الفرد الاعتيادي (وهو السيد المفترض من وجهة نظرية) يشعر بنفسه خادما لرجل الجيش والبحرية والشرطة والموظفين الآخرين».
إن أخلاقيات وأدبيات الطاعة والخضوع متغلغلة في صلب مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولذلك لم ينهض العرب بحسب الجابري، فمدينتهم حتى اليوم لا تزال حسب وصفه «مدينة الجبارين». إن تجديد مستوى العلاقات في المجتمعات يحتاج إلى زيت الحرية وتعدد الخيارات لدى الفرد. العقلية السلطوية لا بد أن يتم استهجانها في أي مساحة اجتماعية صغرت أو كبرت.
حين زار الفيلسوف السياسي الفرنسي دوتوكفيل الولايات المتحدة قبل قرنين، كان في مؤلفه «الديمقراطية في أميركا» حاسدا الأميركيين على تخلصهم من مركزية السلطة في مجتمعهم الجديد. يقول: «غالبا لا يلحظ الأوروبي في شخص الموظف إلا جانب القوة، أما الأميركي فيلحظ جانب القانون». وهناك حكاية خلف ذلك. المهاجرون الأوروبيون كانوا قد توافدوا على القارة الجديدة منذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي، قادمين من صلب مجتمعاتهم الأوروبية الهرمة. ووجدوا أنفسهم متحررين من الخوف من دول مجاورة قد تمثل لهم تهديدا، وأيضا لم تتشكل عندهم طبقات أرستقراطية، لأن الأرستقراط ينبني على إقطاع الأراضي، وفي أميركا كانت الأراضي الشاسعة متوفرة للجميع. وأهم من كل ذلك ظلت السلطة موزعة أفقيا ولا تتركز عموديا، لأن أميركا بنيت من الأسفل، فالبلدة جرى تنظيمها قبل المقاطعة، والمقاطعة قبل الولاية، والولاية قبل الاتحاد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

وداعاً «في العمق»

07 نوفمبر 2016

الفرد ومشاكله المالية

10 أكتوبر 2016

السعودية وقانون جاستا

03 أكتوبر 2016

جيجك واللاجئون

19 سبتمبر 2016

تركة العدناني

05 سبتمبر 2016