الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
01:55 م بتوقيت الدوحة

القبيلة

القبيلة
القبيلة
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها معك منذ ولادتك، بينما الحزب والجمعية مثلا، من مؤسسات المجتمع المدني، لأنك اخترتهما وملت إليهما عن فكر وتوجه وقناعة.
تخلص التعريفات المختلفة للقبيلة، أنها رابطة اجتماعية-سيكولوجية، شعورية ولا شعورية معا، تربط أفراد جماعة ما عبر القرابة. ويرى ابن خلدون ومعه الجابري، أن القبيلة رابطة تذهب أبعد من النسب، ولا تكون محدودة بالرابطة الدموية وحدها. والمفهوم المحوري داخل القبيلة هو «العصبية» والتضامن، وبغض النظر عن نجاعة توجه القبيلة من عدمه، الفرد بحسب المنظار القبلي إما أن يكون مع القبيلة أو لا يكون، فالولاء للقبيلة قوي، ويُضعف قدرة المواقف الفردية على المخالفة.
ومن هنا حين تأسست الدولة العربية الحديثة، كان للقبيلة دورا سياسيا بارزا في عدة دول عربية، وما زلنا حتى اليوم نلاحظ الأهمية المتزايدة للقبيلة، وفي مناطق الأزمات العربية خصوصا، كالعراق وسوريا واليمن وليبيا. يذكر محمد نجيب بوطالب في أطروحته حول «سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي»، أن تحطيم القبيلة الذي مارسه الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان أحد أسباب تفشي العنف والراديكالية اللذين ظهرا لاحقا في المجتمع، فالبنى الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة كان من الممكن أن يكون لها شأن في حفظ التوازن الاجتماعي بعد صدمة الاحتلال، وهو الأمر الذي حدث لدى المجتمع الليبي المجاور.
لكن كيانات المجتمع الأهلي مثل القبيلة لا تناسب السياسة، فهي تقدم ولاءاتها باشتراطات تتبع معادلات القوة وطبيعة العلاقات. بينما كيانات المجتمع المدني تفحص ولاءاتها، وتهذب صراعاتها عبر الصناديق، وطبيعة عملها تكمن في إنجاز معايير محددة للولاء والتوجه، تُدار عبرها العملية السياسية. وهذا ما لاحظناه في حالة الانقلاب في تركيا مؤخراً، فبعدما ظهر الانقسام بين المؤسسات الكبرى في البلاد، كانت الجهة السياسية التي يُنتظر منها تأييد الانقلاب من عدمه، هي الأحزاب التي تتملك القواعد الشعبية الواسعة. ووقوف هذه الأحزاب وتأكيد موقفها الديمقراطي بوعي، ساعد في تعزيز الديمقراطية التي أتت هي عبرها أصلاً. ومن الواضح في النهاية أن أي تهديد للديمقراطية هو تهديد لوجود هذه الأحزاب نفسها.
تعقيدات الحياة اليوم، وصعوبتها، تؤكد حاجة الفرد للارتباط بالجماعة. سبيستيان جونكر في كتابه الجديد «القبيلة»، يوضح أن هذا النوع من التضامنيات، يحمي فرد «المجتمع الحديث» من الانهيار والتفكك والانتحار. حسب المعدلات التي ذكرها في أمثلة تاريخية ومعاصرة كثيرة. وتضامن القبيلة والتعصبن، يجدد نفسه في صور كثيرة وحديثة اليوم. لكن مشكلتنا اليوم أننا في الخليج، عبر الدولة الحديثة، أذبنا المفهوم الأهلي التضامني، وسخرنا مفهوم القبيلة للدولة لا للفرد، وفي ذات الوقت، لم نخرج الفرد ونسمح له ليكون ضمن تضامنيات «مدنية» حديثة تحميه، مثلما تحتمي بها مجتمعات العالم اليوم، في زمن حياة صعب ومليء بالتحديات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

وداعاً «في العمق»

07 نوفمبر 2016

الفرد ومشاكله المالية

10 أكتوبر 2016

السعودية وقانون جاستا

03 أكتوبر 2016

جيجك واللاجئون

19 سبتمبر 2016

تركة العدناني

05 سبتمبر 2016