الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
02:58 م بتوقيت الدوحة

الكتابة والفن

الكتابة والفن
الكتابة والفن
جزء كبير من انحدار الأعمال الفنية العربية يعود إلى ندرة الجودة في الكتابة. ليس لدى القنوات والمؤسسات ورواد الأعمال الفنية فقر في المعدات والتقنية التي تتطور كل يوم، وتجلب أفضل الصور والأصوات.
الفقر هو فقر المحتوى الإبداعي الذي يحتاج في النهاية إلى توفر كتاب جيد، لدينا أجيال لم تعتد القراءة ولا الكتابة، ولذا يفقد الإبداع لبنته الأولى المصنوعة من الألماس: الكتابة.
قبل فترة سمعت تعليقا لأحد الفنانين الكبار أن انحطاط المسرح في الخليج، يعود إلى ندرة الكتاب لا الإمكانيات. ومثال ما حدث للمسرح أبوالفنون، ينطبق هذا على الفنون الأخرى. اليوم يكثر التصوير والاستعراض في القنوات، والإنتاج الشبابي عبر شبكات التواصل، ولكن يندر وجود المحتوى المبهر والمفاجئ الذي يحرض على متابعته.
إن كانت الجمالية في الفن تحتاج إلى خيال خصب، فالقلم من يجيد القبض على كل ذلك. فقر الفن عائد لفقر طبيعتنا من الخيال والطموح الجموح. توجد عوامل اجتماعية وسياسية معقدة كبلت هذه القدرة، ونحن استسلمنا لها، واعتدنا عدم المحاولة. هنالك نقاط تجمد ووقوف في حياة الأفراد والأمم لا يمكن تجاوزها والمرور من خلالها إلا عبر الفن والأدب.
تفسد "الذائقة" في المجتمعات نتيجة لأدبيات تقليدية أو لمزاعم عقلانية مفرطة، أو عوائد وعلائق التصقت بالناس وكبلت أرواحهم، وهنا يأتي دور الفن والأدب ليمارسا تهذيب وإعادة إنتاج هذه الذائقة التي تطعم وتثري الحياة.
هذه الوفرة في التقنية وسهولتها، وجهت الانتباه إلى الاستعراض الصوري على حساب المحتوى. الاعتماد على المبالغة في جمالية التصوير في العمل تقتل بقية العناصر. الصورة لها دور، لكنه دور تجميل وتمليح للفكرة وإيصال بعضا من ملامحها. ومن هنا ولد فن يعرف بفن "الكتابة للصورة". لكن هذا كله يحضر لاحقا، إن كانت الفكرة (وهي الجوهر) قد تم القبض عليها. الفكرة وسياقها هي كل شيء في كتابة الأعمال الإبداعية. في السياق الأميركي، السينما التجارية تكون سيئة في العادة لأنها تدهس الفكرة عبر الأكشن والسرعة وكثرة الاستعراض المصنوع. أما في سياق الأعمال الأوروبية، فرتم النص واقعي وبطيء، لأن الفكرة تتبدى عبر الأحداث، ويتكامل عقدها فتصبح فكرة جبارة أمام المتلقي الذي يلاحقها بكل حواسه.
الكتابة صنعة مبهرة، وحيلها لا تنتهي، ومن ضمن مفاجآتها قتل الراوي والمنتج للعمل الفني نفسه، لأنه يدرك أن الراوي ديكتاتور قد يأتي صوته مجلجلا حارما لتنوع العمل وشخصياته. سألت مرة فيلسوفا فنانا: كيف ينقطع الفنان والكاتب عن عمله الذي أنتجه بنفسه؟ فذكر لي هذا الشرح المقنع: الإبداع يشبه علاقة الأم بجنينها. هي من تتبادل الألم معه، وهي من تحمله وتمده، وبمجرد خروجه وقطع الحبل السري، تصبح قراءتها لوجه ابنها وشخصيته، مثلها مثل قراءة الناس الآخرين له. والكل في النهاية لديه قدرته الخاصة على التأويل.
التعليقات

بواسطة : محمد افلج

الأربعاء، 13 يوليه 2016 09:07 ص

أحسنت ودام إبداعك

اقرأ ايضا

وداعاً «في العمق»

07 نوفمبر 2016

الفرد ومشاكله المالية

10 أكتوبر 2016

السعودية وقانون جاستا

03 أكتوبر 2016

جيجك واللاجئون

19 سبتمبر 2016

تركة العدناني

05 سبتمبر 2016