الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
01:37 ص بتوقيت الدوحة

اعتراف بريطاني متأخر.. ورؤية مبكرة لصاحب السمو

اعتراف بريطاني متأخر.. ورؤية مبكرة لصاحب السمو
اعتراف بريطاني متأخر.. ورؤية مبكرة لصاحب السمو
ربما نظر كثيرون بدهشة لاعتراف واعتذار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بأن الحرب على العراق قامت على «تقارير خاطئة».
وربما ألجمتهم مفاجأة اعتراف الحكومة البريطانية الحالية بخطأ احتلال العراق.
لكن.. نحن في قطر لم نفاجأ بأي من هذه الاعترافات.
لقد كان حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله-، سباقاً إلى كشف التبعات السلبية لاحتلال العراق.
فقد كتب سموه نصاً في مقاله الشهير -الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في 24 فبراير 2015، بعنوان «رسالة قطر لأوباما» بمناسبة زيارته لواشنطن آنذاك: «بات علينا أن نعد أنفسنا لمرحلة طويلة من المواجهة لتجنب الفشل الكارثي الذي شهدناه في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003».
وخرج علينا وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، أمس الأول الخميس، ليؤكد نفس كلام صاحب السمو الأمير، ويقول في إفادته لأعضاء لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية حول تقرير لجنة تشيلكوت بشأن ضلوع بريطانيا في حرب العراق: «إن الإطاحة بأعضاء حكومة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من مواقعهم بعد حرب العراق «كان خطأ»، ثم تأكيده أن «العديد من الضباط العسكريين البعثيين الذين كانوا في مواقع المسؤولية في عهد صدام حسين هم الآن في مناصب عليا في القوة المقاتلة لتنظيم الدولة الإسلامية».
وفي المقال ذاته، كتب صاحب السمو «جهود ما بعد الحرب في سوريا وفي أماكن أخرى يجب أن تنصب على توحيد الناس كمواطنين متساوين في إطار سيادة الدول». وأضاف: «في الوقت ذاته، يجب علينا أن نتحاشى تعميق الانقسامات الطائفية التي تضعف الدول والحكومات، وتغذي نيران التطرف العنيف. كل هذا ينبغي أن يبدأ بجهود واعية لمكافحة المحاولات السافرة لتعميق واستغلال الانقسام بين السنة والشيعة لأغراض سياسية».
نفس ما ذكره صاحب السمو الأمير، كرره بشكل أو بآخر وزير الخارجية البريطاني بقوله إنه «نتيجة لآثار ما بعد حرب العراق، فإن إعمار سوريا بعد الحرب الأهلية الحالية في حاجة إلى أن يتم مع «درجة مناسبة من الهدوء». وتابع: «ما يجب علينا أن نركز عليه هو محاولة إيجاد سوريا في مرحلة ما بعد الصراع لديها، حكومة مقبولة لدى الأغلبية الساحقة من سكانها».

إن صاحب السمو حدد في ذلك المقال، منشأ داء عدم الاستقرار في المنطقة العربية وأبرز أسباب الإرهاب، ووضع الدواء له، كيف لا وهو ابن المنطقة وأحد قادتها الشباب؟ حيث ذكر بوضوح: إن «اليأس» وليس «الإسلام» هو من يقف وراء الإرهاب، ويجب أن نواجه هذا اليأس الذي لا يعرف دولة أو ديناً، إذا أردنا وقف موجة الإرهاب.
وأضاف: «إنني أعلم أن الكثيرين في الغرب ينظرون إلى التهديد الإرهابي ويقولون إن المشكلة هي الإسلام، ولكنني كمسلم، يمكنني أن أخبركم أن المشكلة ليست في الإسلام، بل في اليأس».
وتابع: «إنه ذلك اليأس الذي ينتشر في مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وفي المدن والقرى التي أنهكتها الحرب في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغزة، إنه ذلك اليأس الذي نراه في الأحياء الفقيرة من المدن الأوروبية الكبيرة، وحتى في الولايات المتحدة، ويجب أن نواجه هذا اليأس الذي لا يعرف دولة أو ديناً، إذا أردنا وقف موجة الإرهاب».
وأوضح صاحب السمو أنه ليس المقصود من ذلك تبرير الإرهاب بأي شكل من الأشكال، مؤكداً أن قطر أطلقت إدانة قوية للأعمال الوحشية التي ترتكبها هذه الجماعات المتطرفة، وموقفها ثابت في دعمها لمجموعة كاملة من المبادرات الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب.
قبل ثلاثة عشر عاماً جرى احتلال بغداد، وسريعاً تم حل الجيش العراقي، واجتثاث عدد كبير من موظفي الدولة من مناصبهم، وبناء «عراق جديد» -كما أسموه- لا يقوم على العدل والمساواة، بل على التمييز والنعرات الطائفية، فكان بداية مأساة بلاد الرافدين ذات التاريخ العريق، وجعل البوابة الشرقية للعرب مرتعاً للمرتزقة من كل صنف ولون، من خلال تمكين قوى غير عربية من احتلاله، والعبث فيه بشكل غير ظاهر، وبعد مرور كل هذه السنوات جاء الاعتراف البريطاني، ليثبت أن الغرب بسياساته هو سبب منشأ «الإرهاب» في العراق، بإغفاله مبدأ «العدالة»، وبالسماح لقوى غير عربية بالعبث به طائفياً يا سادة.
ما هو المنتظر من آلاف الضباط العسكريين البعثيين الذين كانوا في مواقع المسؤولية، وقد وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل أو مورد رزق؟!
لقد كان طبيعياً أن تستقطبهم التنظيمات المتطرفة، رداً على تنظيمات وميليشيات أخرى رفعت شعارات طائفية بغيضة.
إن المتتبع لتصريحات وخطب صاحب السمو، يجد أن رؤية سموه بشأن ظاهرة الإرهاب، هي رؤية سياسية عقلانية، هدفها إشاعة الاستقرار في ربوع المنطقة، بوأد كل «الأسباب الحقيقية» لهذه الظاهرة المقيتة، ووضع الحل الناجع لها، بالعمل على محاربة الفقر ونشر العدل، وإتاحة فرص الحياة الكريمة أمام الشباب، حتى يروا أن هناك سبلاً حقيقية وواقعية لتحقيق أحلامهم، وأنه لا مجال للجوء إلى حمل السلاح ما دامت هناك أبواب مفتوحة أمامهم للتعبير عن رؤاهم وطموحاتهم. كل هذا كفيل بإبعادهم عن الإحباط الذي يولد التطرف والعنف.
في خطاب صاحب السمو أمام الجلسة الافتتاحية العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أواخر سبتمبر من العام الماضي، أكد أنه لا يمكن فصل ظاهرة الإرهاب عن أسبابها، ومنها الاستبداد والتعذيب في السجون.
وقبل ذلك، وأواخر مارس من نفس العام أيضاً، أوضح سموه أمام القمة العربية في شرم الشيخ، أنه لا يمكن فصل الظاهرة «عن عوامل عديدة تراكمت على مدى العقود الماضية، كيأس الخاسرين من عمليات التحديث دون تنمية، واليأس من إمكانيات التغيير السلمي، مع سد الدولة الأمنية احتمالات الإصلاح، وسياسات الإقصاء الطائفي والتهميش الاجتماعي وغيرها».

وكعادة الموقف القطري الثابت، فإن صاحب السمو يؤكد دائماً بأنه «أيا كانت الأسباب، لا يجوز تبرير الإرهاب»، ويشدد على أن «نحن جميعاً ندين الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، والواجب علينا جميعاً العمل على اجتثاثه من جذوره، لكونه يهدد مجتمعاتنا ووحدتها الوطنية، ويشل قدرتها على العطاء والبناء والتفاعل الإنساني والحضاري».
لكن صاحب السمو واضح أيضاً في تأكيده على «ضرورة التفريق بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال وحق الشعوب في النضال من أجل تقرير مصيرها».
وفي نفس ذلك الخطاب أمام القمة العربية، تطرق إلى أن «تعدد الطوائف والمذاهب في أمتنا العربية هو مصدر غنى ثقافي وحضاري. إنه جزء من هويتنا العربية المركبة، وليس سبباً للتدخل في شؤوننا الداخلية».

والآن..
إذا كان ساسة الغرب يعترفون بأن احتلالهم العراق وسياساتهم الخاطئة هناك كانت من أسباب الإرهاب وسطوة تنظيم الدولة، فإن المنطق الحالي يقول إن إعادة الاستقرار إلى هذا البلد، يكمن في دعوة صاحب السمو المتكررة بمساعدة العراق على إطلاق عملية سياسية شاملة لتحقيق المصالحة الوطنية بين جميع مكونات الشعب العراقي، لتكريس نمط جديد من العلاقات السياسية والاجتماعية، تزول فيها كل النزاعات المذهبية والطائفية والعرقية، وتؤسس لمرحلة جديدة تكفل مشاركة الجميع، وتستجيب لتطلعات الشعب العراقي بجميع مكوناته.
ونفس الأمر ينطبق على سوريا.. فالسياسة الغربية في هذا البلد لن تؤدي إلا إلى مزيد من الإرهاب والتطرف. لقد تلكأ الغرب كثيراً بشأن الموقف تجاه بشار الأسد وآلة قتله الآثمة. أنسته لعبة التوازنات والمصالح أن هذا النوع من الأنظمة المستبدة لم يعد متسقاً مع العصر و»القرية الكونية» وثورة الإنترنت التي أتاحت المجال واسعاً للشباب للاطلاع على العالم، وكيفية احترام حقوق الإنسان.
شاهدت أوروبا سيل الهجرات المتلاحقة إلى أراضيها من جحيم بشار وغيره من الأنظمة الديكتاتورية. رأت أن آلافاً من البشر يفرون بأولادهم في رحلات عواقبها وخيمة، بعدما أصبحت «الحياة» في بلادهم تساوي «الموت».
إن عدم الاستفادة من درس بقاء بشار الأسد، رغم كل المآسي التي سببها لشعبه، قد يساهم في تغذية أكبر للتطرف، خاصة مع وجود أنظمة شبيهة تنتهج نفس لغة الرصاص والتعذيب مع شباب سلمي تواق للحرية والعدل.
لقد أكد صاحب السمو الأمير مراراً أيضاً أن استمرار بشار الأسد على رأس السلطة في دمشق كفيل بتغذية الجماعات المتطرفة.
فهل ينتظر الغرب ثلاثة عشر عاماً أخرى، ليقر بهذا الأمر، مثلما أقره في العراق؟
هل سيعتذر «أوباما» بعد ثلاثة عشر عاماً على عدم التدخل لوقف المجازر التي يتم ارتكابها في سوريا، وستؤدي إلى ردة فعل أكثر تطرفاً من الحالية التي يعاني منها العالم الآن؟!!!
أعان الله أهلنا في سوريا والعراق.

وعلى الخير والمحبة نلتقي يا إخوان.
التعليقات

بواسطة : عبدالله بن لهيمس

السبت، 09 يوليه 2016 08:34 م

اشكرك على هاذا الطرح الشيق والمميز والذي يحمل في طياته الكثير وهاذا ليس بغريب على هرم أعلامي سطر اسمه بحروف من ذهب في عالم الأعلام وعرفه الكثير من الناس والدول بصراحته وفطنته وتميزه في جميع المجالات الاعلاميه شكراً استاذي عبدالله العذبه

بواسطة : عبدالله بن لهيمس

السبت، 09 يوليه 2016 08:34 م

اشكرك على هاذا الطرح الشيق والمميز والذي يحمل في طياته الكثير وهاذا ليس بغريب على هرم أعلامي سطر اسمه بحروف من ذهب في عالم الأعلام وعرفه الكثير من الناس والدول بصراحته وفطنته وتميزه في جميع المجالات الاعلاميه شكراً استاذي عبدالله العذبه

بواسطة : واحد عاقل

السبت، 09 يوليه 2016 11:35 م

أذى رؤية سيادة الأمير وكانت القيادة فى قاعدة السياسة

بواسطة : ايمان البياتي

الأحد، 10 يوليه 2016 04:11 ص

كلام جميل ولكن للاسف ايضا قيل في وقت متاخر من مسؤلين عرب. لو كان العرب متحدين علي كلمه واحده في عام 2003 لما حصل الذي حصل لان العراق وبقيادة صدام رحمه الله قد حورب من قبل العرب اولا. صدام كان عامل توازن فى المنطقه وايضا في بلده.