الثلاثاء 19 رجب / 26 مارس 2019
03:47 ص بتوقيت الدوحة

«البريكسيت» ومستقبل أوروبا

164
«البريكسيت» ومستقبل أوروبا
«البريكسيت» ومستقبل أوروبا
فازت بريطانيا، على ما أعتقد، بأفضل الصفقات الممكنة مع الاتحاد الأوروبي، بكونها عضوا في السوق المشتركة دون الانتماء إلى اليورو، كما حصلت على عدد آخر من الامتيازات بالتحايل على قواعد الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك لم يكن كافيا لثني الناخبين في المملكة المتحدة عن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. لماذا؟
يمكن الحصول على الإجابة من خلال استطلاعات الرأي في الأشهر التي سبقت الاستفتاء. لقد تأثُر النقاش حول البريكسيت بإشكالية الهجرة الأوروبية. واستغلت الحملة من أجل «المغادرة» وضع اللاجئين المتردية – من خلال صور مخيفة للآلاف من طالبي اللجوء المتمركزين في كاليه، الحالمين بدخول بريطانيا بأية وسيلة ضرورية – مما أثار الخوف من الهجرة «غير المنضبطة» الوافدة من الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأجلت السلطات الأوروبية قرارات هامة بشأن سياسات اللاجئين من أجل تجنب أي تأثير سلبي على التصويت في الاستفتاء البريطاني.
وكان قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لفتح أبواب بلادها على نطاق واسع للاجئين التفاتة ملهمة، ولكن لم يتم تقديمه بشكل صحيح، لأنه تجاهل عامل الجذب. وأدى التدفق المفاجئ لطالبي اللجوء إلى إزعاج حياة الناس اليومية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي.
لقد تحقق الآن السيناريو الكارثي الذي خشيه الكثيرون، مما يجعل من تفكك الاتحاد الأوروبي عملية لا رجعة فيها. وقد تكون أو لا تكون بريطانيا في نهاية المطاف أفضل حالا نسبيا من الدول الأخرى بعد ترك الاتحاد الأوروبي، لكن اقتصادها وسكانها سيعانون بشكل كبير على المدى القصير والمتوسط. فقد انخفض الجنيه الاسترليني إلى أدنى مستوياته في أكثر من ثلاثة عقود على الفور بعد التصويت، ومن المرجح أن تظل الأسواق المالية في حالة اضطراب. وفي انتظار انطلاق العملية المعقدة والطويلة الأمد للطلاق السياسي والاقتصادي من الاتحاد الأوروبي، فإن العواقب بالنسبة للاقتصاد الحقيقي ستشبه تلك المتعلقة بالأزمة المالية لسنة 2007-2008.
وعلاوة على ذلك، فإن المملكة المتحدة نفسها قد لا تبقى على قيد الحياة. إذ يمكن لسكتلندا، التي حصلت على غالبية الأصوات من أجل البقاء في الاتحاد الأوروبي، القيام بمحاولة أخرى للحصول على استقلالها.
وبما أن الاتحاد الأوروبي يمثل نصف حجم التجارة البريطانية، فإن التأثير على المصدرين سوف يكون مدمرا (على الرغم من سعر الصرف الأكثر تنافسية). وسوف تنقل المؤسسات المالية عملياتها وموظفيها إلى مراكز منطقة اليورو في السنوات المقبلة، و لن تكون السوق المالية بلندن (وسوق الإسكان في لندن) بمنأى عن هذا الألم.
وقد ضعفت القيادة في فرنسا وألمانيا و أصبحت الآن تركز بشكل مباشر على المشاكل الداخلية. وفي إيطاليا، يشير انخفاض سوق الأسهم ب10٪ بعد التصويت لصالح بريكسيت بوضوح إلى تعرض البلاد لأزمة مصرفية كاملة - والتي من شأنها رفع شعبية حزب حركة الخمس نجوم، الذي فاز مؤخرا بمنصب عمدة روما، ومن المرجح وصوله إلى السلطة، في وقت مبكر من العام المقبل.
إن الوقت ليس في صالح أوروبا، حيث الضغوط الخارجية من دول مثل تركيا وروسيا - وكلاهما تستغل الخلاف لصالحها – ستذكي الصراع السياسي الداخلي في أوروبا.

هذا هو الحال الذي نحن عليه اليوم. ستعاني كل من أوروبا، بما في ذلك بريطانيا، من فقدان السوق المشتركة ومن فقدان القيم المشتركة التي جاء الاتحاد الأوروبي لحمايتها. وانهيار الاتحاد الأوروبي سيكون بسبب عدم تلبيته احتياجات مواطنيه وتطلعاته. إن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو التفكك الفوضوي الذي سيترك أوروبا على أسوأ حال مما كانت ستكون عليه لو لم يبرز الاتحاد الأوروبي إلى حيز الوجود.

نحن الذين نؤمن بالقيم والمبادئ التي سطرها الاتحاد الأوروبي يجب أن نتعاون معا لحمايته عن طريق إعادة بنائه كليا. وأنا شخصيا مقتنع بأن عواقب مغادرة بريطانيا ستنكشف في الأسابيع والأشهر المقبلة، وسوف ينضم إلينا المزيد والمزيد من الناس.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.