الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
10:07 م بتوقيت الدوحة

المجتمع الخليجي وقبول الواقع

259
المجتمع الخليجي وقبول الواقع
المجتمع الخليجي وقبول الواقع
كان الهاجس الأمني ملحاً على دول الخليج منذ وقوفها على قدميها كدول حديثة بداية الخمسينيات المنصرمة، نتيجة الظروف الإقليمية، والصراعات الداخلية والخارجية التي عاشتها المنطقة، وما زال هذا الهاجس سابقا على أي خيار آخر. حظيت بلدان الخليج بامتيازات ومداخيل الريع النفطي، التي مكنتها من إدارة تنمية نشطة، استقطبت أبناء الشعب والأجانب، وتمت إعادة توجيه النخب للاستفادة من الدولة المركزية، عوضا عن البناء التكاملي معها. وهكذا، ولّد الواقع المكتظ بالامتيازات الحرص عليه، وتشكلت أجيال خليجية مرتبطة بهذا الواقع، ولم تعد أنظارها ترى مجالا حيوياً آخر تطمح له، أو تعمل على خلقه، عبر الأفكار والمبادرات.
شيوع ثقافة الاستهلاك، وضعف قيمة العمل والإنتاج، وغزو التطرف للمجتمع، والإحجام عن تبني ثقافة المشاركة المدنية والسياسية، وحضور قيم انتهازية تهدف للإثراء السريع، وغيرها، هي علل مرت على الخليج وبقيت. إن تحسن الظروف المعيشية أتى مع تغييرات واسعة، تخللها تشويه للثقافة المجتمعية، وتنكر لمبادئ تم تعلمها والحرص عليها في السابق، كما يوضح باقر النجار في كتابه «سوسيولوجيا المجتمع في الخليج العربي».
لقد اختفت من المشهد النخب التي تحرض على التغيير وتؤدي دورها المفترض كوسيط بين الشعبي والسياسي. فالنخبة التجارية كمثال، والتي كانت تقود الإصلاح والتغيير في خليج الثلاثينيات، أصبحت تركز فقط على نصيبها وحصتها من مشاريع الريع، القادمة من الحكومة بشكل أساسي. وهذا الذي جعل خلدون النقيب يرى أن الحداثة في الخليج، هي أقرب لأن تكون مشروع ثروة وإثراء لا غير!
تجسّد الفائدة والمصلحة بهذا الشكل الواضح والصريح، أضعف القيم وتجعلها شكلية، وإن بغطاء ديني دوما، وخلق رخاوة مجتمعية، وأصبحنا لا نكاد نشهد تعاضدا مجتمعيا يحيي الروح، ويجددها. لطالما عُرفت المجتمعات بقوة العُرف، أو قوة الموقف الجمعي المعبر في لحظات تاريخية. الخلو من موقف، جعل المعري يسبك وصف «الكتيبة الخرساء»، وحداثة المجتمع المفتقدة لبعدها الثقافي، جعلته «أغلبية صامتة»، كما قال الناقد ما بعد الحداثي جان بورديار في كتابه تحت نفس الاسم، حين وصف هذه الأغلبيات بالسلبية وأنها فقط تمتص ما يتم ضخه لها، وتفتقد القدرة على الرد والتعبير. نحن أول من يعرف أن مجتمعاتنا لم تكن تتسرب فيها الطائفية قديماً كما هي اليوم، ونحن أول من يعرف أن مجتمعاتنا لا مدخل لها على السياسي ولا تأثير، ولكننا قد لا نعرف جيداً أن الكلمة الأولى في الحلول دوماً هي للمجتمع، إن أجاد الاجتماع المعبر والخلّاق.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

وداعاً «في العمق»

07 نوفمبر 2016

الفرد ومشاكله المالية

10 أكتوبر 2016

السعودية وقانون جاستا

03 أكتوبر 2016

جيجك واللاجئون

19 سبتمبر 2016

تركة العدناني

05 سبتمبر 2016