الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
09:29 ص بتوقيت الدوحة

الزواج بين الريف والمدن

الزواج بين الريف والمدن
الزواج بين الريف والمدن
قرأتُ بالأمس خبراً ظريفاً مفاده أن مجموعة من شباب قرية «أوزوملو» في ولاية «مرسين» التركية تظاهروا في قراهم رافعين لافتات تضم مطالباتهم وهي واحدة لا غير: الرغبة في الزواج من الفتيات التركيات.
ويرجع ذلك لهجرة الأغلبية من فتيات القرية للمدن، ورفضهن الزواج والإقامة في الأرياف، وهذا الأمر أدى إلى العزوف عن الزواج وتقلص عدد السكان لدرجة أن إحدى المسنات تقول: إن أصوات بكاء الرضع انقطع في القرية، وكذلك شغب الأطفال في الطرقات غير موجود!
وقد حملت اللافتات وعداً من المتظاهرين يقطعونه لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي يطلب في خطاباته في المناسبات الاجتماعية من الشباب التركي إنجاب ثلاثة أطفال كحد أدنى بإنجاب خمسة أطفال على الأقل.
المضحك المبكي أن آخر عرس شهدته قرية «أوزوملو» قبل تسع سنوات وكان تعدادها 400 نسمة، بينما بعد هجرة الفتيات صار تعداد سكانها 233 منهم 25 شابا أعزب أعمارهم بين 25- 45 هم الذين أثاروا ضجة رفض العزوبية محتجين على تفضيل الفتيات الهجرة للمدن، بينما بقي الرجال لرعاية أراضي أجدادهم. وقد اضطر بعض الشباب للعيش في المدينة وقبول أجور متدنية رغم أن القرية لا تعاني من مشاكل مادية فقط لتقبل فتاة الزواج منه!
غريب أمر «نساء أوزوملو»! فالمعروف أو الدارج أن النسوة يفضلن الحياة الهادئة البعيدة عن الضوضاء وهي تكون أقرب للريف من المدينة، والرجل يبحث عن الصخب والحيوية والتغيير، يفضلون أن يكون يومهم مليئا بالأعمال والمهام.
لا يعني ذلك أن الريفيين فارغون لا التزامات عندهم، ولكن مهام رجل الريف تختلف عن رجل المدينة، نوعاً وكماً، وقد تكون أصعب كمياً وأكثر اعتماداً على البشر من الآلة، في حين حياة سكان المدن أغلبها في المكاتب وبين الحوائط وأمام شاشات الحاسوب.
فهل ينقرض الريف لصالح المدينة؟
المدن تزحف بمفاهيمها وسلوكياتها وقيمها ورتابتها في عمق الريف وتحتل الأرض الخضراء لتحيلها من مزارع وحدائق إلى مصانع ومكاتب ومجمعات تجارية. هذا الإحلال بالتأكيد ليس «صديقاً للبيئة»، بل مستنزف لها.
كذلك أعداد العائلات التي تقطن الريف تراجعت بمقابل العائلات التي تفضل السكن في المدن والأسباب عديدة منها محدودية الوظائف في الريف واعتمادها على الزراعة، أيضاً انخفاض مستواها «البريستيجي» عند نظرة المجتمع، وحتى الحكومات تهتم بالمدن وإهمال الأرياف من النواحي اللوجستية والبنى التحتية، فالمراكز الحكومية في المدن تختلف عنها في الريف.
برأيي أن الرجوع لسكن في الريف أحد الحلول للكثافة السكانية في المدن والتي تؤثر على الاختناقات المرورية، وليس بالضرورة الإبقاء على نمط حياة الريف، فيمكن إدخال التطور الملائم من دون أن يفقد الريف خصوصيته.
«أوزوملو» قرية حميمة تصلح لحياة هادئة بعيدة من كل مظاهر المدنية، كما يصفها أحد شبابها العزاب والذي يفضل البقاء والموت فيها على فوضى المدن، وكذلك قال لي شاب أميركي ذات مرة بأنه يعزم على الاستقالة من شركة الاستثمار التي يعمل فيها وتدر عليه دخلا خياليا لينتقل إلى الريف حتى ينشأ أطفاله في أجواء أقرب للحياة الحقيقية الملامسة للطبيعة من العبودية للوظائف والجري خلف الماديات!
الدول تقدم دعما كبيرا للمدن، بينما الريف هو الذي ينفق على هذا الدعم من خيرات أرضه.
مفارقات الحياة لا تنتهي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.