الخميس 12 شعبان / 18 أبريل 2019
06:19 م بتوقيت الدوحة

حرب التسطيح

محمد عيادي

الإثنين، 01 فبراير 2016
حرب التسطيح
حرب التسطيح
ثمة حرب شرسة وخطيرة تجري، لكن من دون ضوضاء، لن تظهر كوارثها وخسائرها إلا بعد عقد أو عقدين من الزمن، وهي حرب التسطيح والضحالة الفكرية والثقافية، عبر استخدام غير رشيد للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وجعلهما مصدرا وحيدا لـ»المعرفة».
وأكدت دراسات علمية عديدة أجريت بالولايات المتحدة الأميركية وغيرها، أن إدمان الأطفال والشباب للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي له تأثير سلبي على عقلهم ونفسيتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
ووجدت تلك الدراسات أن الإدمان المذكور يؤدي إلى ضمور المناطق الخاصة بالتفكير والتحليل بالمخ؛ بل وإلى أمراض نفسية وعصبية من قبيل الكآبة وانفصام الشخصية والميل للوحدة وضعف التركيز.
وإذا كانت الدراسات والأبحاث دقت وتدق ناقوس الخطر بمجتمعات غربية حول مستقبل أجيالها من إدمان التكنولوجيا المرتبطة بالإنترنت، وما ارتبط بها من وسائل التواصل الاجتماعي والترفيه، رغم توفرها على بنية تعليمية وثقافية قوية، فلنا أن نتخيل مستقبل مجتمعاتنا -التي تعاني كثير منها من إشكالات في مناهجها التعليمية ولم تنه معركة محو الأمية الألفبائية نهائيا- وقد باتت شريحة كبيرة جدا من أبنائها مهووسة بوسائل التواصل الاجتماعي، والاتكاء على الإنترنت للوصول السريع للمعلومات دون استيعاب لها، بدل التعب وقراءة الكتب، ومراكمة المعرفة بشكل سليم.
فالاتكاء على الإنترنت يُعلِّم الكسل ويقتل الطاقات، وأظهرت أبحاث البروفسور ستيفن جونس، أن الركون للإنترنت يشغل ما يسمى بالذاكرة التشغيلية المؤقتة، سرعان ما تتبخر المعلومات التي تتجمع فيها، على عكس قراءة الكتب الورقية، فإنها تقوي الذاكرة وتساعد على الهدوء وتقلل من اضطرابات الذهن.
توافقت كثير من الأبحاث على أن إدمان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يضعف القدرات العقلية والتحليلية للمدمنين، كما يضعف الذكاء العاطفي، فضلا عن الأضرار الصحية والاجتماعية -لا يتسع المقام للتفصيل فيها- الناجمة عن الانغلاق داخل عالم افتراضي.
وباختصار فإنه على عكس ما يعتقد كثيرون، بأن وسائل التكنولوجيا وانفجار المعلومات ترتقي بالإنسان فإنها في الواقع تحوله إلى كائن مستهلك بعد أن تقتل فيه -خاصة للذين لا يحسنون التعامل مع هذه التكنولوجيا- مواهب كثيرة، وأبرزها القدرة على التفكير والتحليل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.