الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
10:59 ص بتوقيت الدوحة

قطرة من بحر

الهجر المقبوح

د.أحمد يوسف علي يوسف

الجمعة، 15 يناير 2016
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
في حياتنا ألوان كثيرة من الهجر مقبولة ومرفوضة. ومثل كل شيء، فالهجر له وجهان. هجر ظاهر وهجر باطن وهجر جميل وهجر قبيح وهجر طويل وهجر قصير، وهجر مؤذ، وهجر مريح. والهجر من الهجرة، كلاهما من مادة واحدة وهي الارتحال عن أرض إلى أرض، وقد يكون ارتحالا في النفس من حال إلى حال، وقد يكون ارتحالا في العقل من فهم إلى فهم أو من وعي إلى وعي، وقد يكون سعيا في الأرض طلبا للرزق أو فرارا من الأذى. وقد يكون حالة من الكشف والعرفان بعد انتظار طويل داخله اليأس من الوصول.
وللهجر في حياتنا موقع مهم وأثر كبير. فالعاقل منا من يسعى إلى الهجر ويطلبه خروجا من حاله إلى حال أفضل طلبا للرقي المعرفي والوجداني وترقية للذوق وكشفا لأستار الجهل. وهذا الهجر يستدعي التواصل مع موارد المعرفة والخلق الرفيع ونماذجه العليا أمثال الرسل والمصلحين والفلاسفة والعلماء والمجاهدين والعارفين. ولا يتحقق ذلك إلا بالتمثل بآدابهم في اكتساب العلم وذيوع المعرفة وتوطيد الأخلاق والترفع عن العارض والهامشي والصغير من الأقوال والأفعال..
ومن ضرورات الهجر الجميل في حياتنا، الفهم العقلي والوجداني لكلمات الله التامات، هذه الكلمات بين أيدينا ومن حوالينا والالتفات إليها يعني توجيه الحواس لالتقاطها، وتدريبها على التعامل معها. ومصدرها ما ورد من حديث طويل عن الخلق الرفيع وأهله في القرآن الكريم ومنه أن الله سبحانه، مدح نبيه بقوله «وإنك لعلى خلق عظيم» ودلالة حرف الجر هنا ليست دلالة نحوية، بل دلالة سياقية تركز على معنى العلو وتقدم صورة ملموسة وهي أنه قد قعد على قمة الأخلاق وهي قمة متدرجة يتنافس على درجاتها من يشاء ويسعى لامتلاكها من يقدر عليها ويصبر على تكاليفها. وقعوده على قمتها مدعاة للتأسي به، والتنافس الدائم بين من يتأسون به. وهو أي الرسول أكد ذلك المنحى بقوله «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ومن حديثه سبحانه عن أهل الخلق «وإذا مروا على اللغو مروا كراما» و «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما».
هذه الطود الخلقي العظيم هو مدار رسالات السماء، وحقيقة مسعى الرسل. لذلك يعد غريبا ما ورد في القرآن «وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا». والغرابة هنا مردها أمران: الأول التركيز على ميثاق الأخلاق، والثاني هجره. إذ كيف يكون مدار التعايش البشري هو المعاملات المبنية على قواعد الخلق، مع اختلاف العقائد والعبادات، ثم نلتفت عن هذه القواعد التفاتا قبيحا وهو ما أعنيه بالهجر المقبوح المتمثل في هذه الصياغة الإنشائية الخبرية في آن واحد بما تحمله من غرابة وشكوى وأسى منذ القديم يطل علينا من هذا النداء «يارب» ولا أحسبه نداء، بل أحسبه تعبيرا عن الدهشة والاستغراب والمفارقة القائمة على الإقرار بالأخلاق، والإقرار بهجرها. كما أن كلمة القرآن كما أرى لا تدل فقط على هذا الكتاب، بل تدل على فعل القراءة وما يصحبها من تأمل وتدبر وفهم واستيعاب وتمثل، وقد هجرنا الفعل ونتائجه، كما هجرنا الرؤية الصحيحة وما يتبعها من أفعال ترسخ معنى البناء والعمران. والكتاب والقلم يسجلان نتائج الهجر وتبعاته.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.