الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
07:49 م بتوقيت الدوحة

الحاجة إلى الأصالة والفعالية

بدران مسعود بن لحسن

الجمعة، 15 يناير 2016
د.بدران مسعود بن لحسن
د.بدران مسعود بن لحسن
لعل من أوضح صور التمزق والتشظي في مستوى الوعي والممارسة في عالمنا الإسلامي اليوم، ذلك الصراع المحموم بين الأصالة وبين الفعالية. حيث يرى الكثير من المسلمين أن الأصالة مقدمة على أي فعل منجز وتنمية وتحضر، و منهم من يرى أن تحقيق الفعالية مقدم على أي انتماء أو مرجعية أو تراث.
وتبدو الحالة فيها تناقض موهوم، حيث إن الأصالة لا تقتضي غياب الفعالية، والفعالية لا تقتضي غياب الأصالة.

فهل إلى خروج من هذه الحالة من سبيل؟ وكيف نفهم الأصالة؟ وكيف نفهم الفعالية، وكيف نحقق فعالية أصيلة؟

مفهوم الأصالة والفعالية
إن الأصالة -كما أفهمها- هي أن الانطلاق يكون من الإسلام في الغاية والعقيدة والقيم والتصورات، لأن الأمة المعنية بالنمو والبناء والحركة هي أمة إسلامية في عقائدها، وفي قيمها وفي تكوينها النفسي والفكري، فأي مشروع نفكر فيه بأفكار البعض ونحاول إنجازه بوسائل البعض الآخر معرض للفشل لا محالة.
والفعالية -كما أفهمها- في أن نتوجه بالحل نحو واقع الأمة المعاصر وقضاياها القائمة .
يقدم مالك بن نبي تحليلا لدور العقيدة في بناء الفعالية والمحافظة عليها بشكل يحقق البناء المستمر والتصحيح المتواصل.يقول بن نبي في (ميلاد مجتمع): إن القرآن قد وضع ضمير المسلم بين حدين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه وضعه في أنسب الظروف التي يتسنى له فيها أن يجيب على تحد روحي في أساسه. فالوعيد هو الحد الأدنى الذي لا يوجد دونه جهد مؤثر، والوعد هو الحد الأعلى الذي يصبح الجهد من ورائه مستحيلا. وبذلك نجد أن الضمير المسلم قد وضع بين حدي العمل المؤثر، وهما الحدان اللذان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين:
أ- "فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" (وعيد).
ب- "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" (وعد).
وبين هذين الحدين تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفعال الذي يبذله مجتمع يعمل طبقا لأوامر رسالة، أعني طبقا لغايته. فالقوة الروحية التي تتطابق مع العمل المثمر الفعال تقع بين حالين من أحوال النفس، لا يوجد وراءهما إلا الخمول والرخاوة في جانب، واليأس والعجز في جانب آخر.
وفي كتابه (بين الرشاد والتيه) يرى مالك بن نبي أن الفعالية تتحقق بناء على العودة إلى أصالة القرآن والمنهج النبوي في بناء النفوس، بناء يقوم على الربط بين العلم والعمل، فالعلم الذي لا يترجمه عمل يظل ترفا لا مكان له. فالأصالة والفعالية يتحققان من خلال الرجوع إلى الهدي النبوي، في التربية على الجمع بينهما، والموازنة بينهما.
يقول عليه رحمة الله في (مشكلة الأفكار): "ببساطة ينبغي العودة إلى روح الإسلام نفسها، ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم فرصة واحدة تمر دون أن يحذرنا من مثل هذا التمسك والاكتفاء الذي نعرف اليوم آثاره المعوقة للنمو الاقتصادي في المجتمع الإسلامي الحالي... ونحن اليوم أكثر من أي يوم مضى بحاجة للتذكير بهذا الهدي النبوي".
كما أن من الفعالية أن الإنسان يصوغ حلوله وفق معالم مضبوطة يراعي فيها الحال والمآل. فإنه إذا تجاهل هذا الأمر فإن الارتكاس والخطأ، أو التباطؤ والتنكب عن تحقيق الهدف، هي المآلات الحتمية للعمل الارتجالي، غير المرتبط بواقعه وأصوله.
يقول بن نبي في (شروط النهضة): وعليه فلا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج مغفلا مكان أمته ومركزها، بل عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته. أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب فإن في ذلك تضييعا للجهد ومضاعفة للداء. إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار. وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية، ناتجة عن فكرة معينة تؤرخ من ميلادها عمليات التطور الاجتماعي في حدود الدورة التي ندرسها. فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية.
فالأصالة هي العودة إلى الذات الإسلامية، العودة إلى السلف الصالح الذين تشكل وفق منهجهم تاريخنا ونبع منه، فعلينا العودة إلى الأصول والمنابع التي منها نبع تاريخنا.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.