الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
05:59 ص بتوقيت الدوحة

واقع اللغة العربية اليوم

بدران مسعود بن لحسن

الجمعة، 08 يناير 2016
د.بدران مسعود بن لحسن
د.بدران مسعود بن لحسن
مقالنا اليوم عن اللغة العربية وأهميتها وموقعها الاستراتيجي ودورها في نهضتنا وتوحيدنا والمخاطر التي تتهددها؛ ذلك أن العربية اليوم تتعرض لإقصاء بعضه متعمد وبعضه غير متعمد في مختلف دولنا العربية؛ ولهذا كان من الواجب الحديث عن هذا الموضوع لتنبيه القارئ والمختص والمسؤول لهذا الخطر الاستراتيجي.

وظيفة اللغة:
إن اللغة في أي أمة تقوم بوظائف متعددة، واللغة العربية بوجه خاص تشكل وعاء التفكير؛ فنحن عندما نفكر نستخدم الألفاظ والجمل والتراكيب العربية، وبمعنى آخر فإن تفكيرنا حديث عربي صامت وحديثنا تفكير عربي صائت، كما أنها تحمل مبادئ الإسلام بحكم أنها لغة القرآن الكريم، وتحمل إلى المتكلمين بها هدى القرآن والسنة في قوالب رصينة محكمة، فالعلاقة وثيقة جداً بين العربية والعقيدة الإسلامية، وهي مقوم من مقومات الأمة والوطن، فهي توثق شخصية الأمة، وتؤكد هويتها وتشكل أداة للاتصال بين أبنائها، كما أنها لا تُدرَّس ولا تعلم لذاتها فقط، بل هي وسيلة المتعلمين لتعلم سائر المواد الأخرى، وهي الوسيلة المثلى لحفظ التراث الثقافي، وأهم وظيفة يمكن أن تؤديها خير تأدية هي الوظيفة الحضارية الإنسانية، تلك الوظيفة التي مهدت لحضارة الإسلام أن تعم الآفاق؛ حيث جمعت الحضارة كل الأعراق والأجناس، وصارت مقوماً من مقومات الأمة الإسلامية، التي هي أكثر شمولاً من الأمة العربية، فضلاً عن كونها إنسانية؛ لأنها تخاطب الإنسان في فكره ووجدانه، وعليه فهي متصالحة مع هذا الإنسان ما دام الإنسان يتقوى بها لغة وثقافة وسلوكاً وأدباً.

أهمية اللغة العربية في نهضتنا وتوحيدنا:
يقول العلامة محمد البشير الإبراهيمي مخاطبا الجزائريين الذين عمل الاستعمار الفرنسي بكل الوسائل على جعلها غريبة في الأفواه سمجة على الألسنة منكورة في القلوب : "لو لم تكن اللغة العربية لغةَ مدنيَّةٍ وعمران، ولو لم تكن لغة متسعة الآفاق، غنية بالمفردات والتراكيب، لما استطاع أسلافكم أن ينقلوا إليها علوم اليونان، وآداب فارس والهند، وَلَأَلْزَمَتْهُم الحاجة إلى تلك العلوم تعليم تلك اللغات، ولو فعلوا لأصبحوا عربًا بعقول فارسية، وأدمغة يونانية، ولو وقع ذلك لتغير مجرى التاريخ الإسلامي برُمَّته، لو لم تكن اللغة العربية لغة عالمية لما وسعت علوم العالم، وما العالم إذ ذاك إلا هذه الأمم التي نقل عنها المسلمون". ليس ذلك فحسب، بل يؤكد الابراهيمي أن اللغة العربية قامت "في أقل من نصف قرن بترجمة علوم هذه الأمم، ونُظمها الاجتماعية، وآدابها.. وهذا هو الجزء الضروري في الحياة الذي إما أن تنقله إليك فيكون قوة فيك، وإما أنْ تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة لغيرك، وقد تفطن أسلافنا لهذه الدقيقة، فنقلوا العلم، ولم ينتقلوا إليه، وقد قامت لغتهم بحفظ هذا الجزء الضروري من الضياع، بانتشاله من أيدي الغوائل، وبنقله إلى الأواخر عن الأوائل، وبذلك طوَّقت العالم مِنَّة لا يقوم بها الشكر، ولولا العربية لضاع على العالم خيرٌ كثير". فاللغة العربية كما يرى الإبراهيمي منذ دخلت في ركاب الإسلام على الأمم التي أظلها ظله، كانت سببًا في تقارب تفكيرهم، وتشابه عقلياتهم، وتمازج أذواقهم، وتوحيد مشاربهم، وإن هذا لمِن المناهج السديدة في توحيد الأمم المختلفة الأجناس، ولولا العربية لاختلفت الأمم الإسلامية في فَهْم حقائق الدين، باختلاف العقليات الجنسية، وقد وقع بعض هذا، ولكنه من القلة بحيث لا يظهر أثره في الحركة العامة للأمة.

اللغة العربية وموقعها الاستراتيجي في التدافع الحضاري:
إن اللغة العربية باعتبارها وعاء للثقافة والحضارة الإسلامية تواجه اليوم أخطارا تتفاقم باطراد تأتي من هيمنة النظام العالمي الذي يرفض خصوصيات الشعوب وثقافاتها وأعرافها وتقاليدها، وإن موقع اللغة العربية في الصدارة من الهوية للدفاع عن الأمة. وبالرغم من وسائل التهجين والتدجين لهذه اللغة فإنها استعصت على التدجين والموت؛ لأنها اللغة الوحيدة للوحي الإلهي الباقي على ظهر الأرض، وبقاؤها هو إكسير الحياة للأمة، والمجدد الدائب لطاقاتها الأدبية والمادية.

ولم تكن اللغة العربية يوما نافلةً في مجال التدافع الحضاري وساحة الصراع الإيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم والشعوب، بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري، ومن أخطر أسلحة الاحتواء الإستراتيجي لثقافات الشعوب وتمييعها لإخراجها عن طبيعتها وصبغتها. ولابد أن ندرك أن تفعيل الثقافة رهن بتطور اللغة، ونمو اللغة يعكس القيم الثقافية للمجتمع الذي يتكلمها، وهما مقياس لإمكاناته وقدراته، وكيف نعرف هذه القيم عندما تختفي دلالات اللغة، وتغيض معانيها ومراميها وإشاراتها في حديث الناس وبرامج الإعلام وإعلانات الشركات وأسماء المحال ويافطات الإشهار .

مخاطر تهدد اللغة العربية:
وقد كتب منذ مدة الناقد الكبير والأديب الأريب صاحب المؤلفات النقدية والروايات الأصيلة الأستاذ الدكتور حبيب مؤنسي أن اللغة العربية لم تكن في تاريخها القديم والجديد في ضيق وحرج مما هي عليه اليوم، إذ هي لا تُحاصَر باعتبارها لغة يتحدث بها قوم مستعمَرُون كما كان الشأن في فترات الاستعمار، ومن ثم وجوب تحييدها وركنها في زاوية ضيقة من الاستعمال للقضاء عليها تدريجيا.

بل صار التضييق عليها اليوم يأتيها من قبل كونها لغة "دين" يتهم في الدوائر العالمية العلنية والسرية على أنه دين مُعادٍ لكل الحريات الإنسانية، وأنه يقوم حجر عثرة في وجه الانتشار العلماني الذي تروج له الحداثة الغربية، ومن ثم صار حصارها يأخذ بعداً عالميا على اعتبار أن نصوصها الدينية هي السبب في خلق هذه التشنجات المذهبية والفكرية التي يعيشها العالم العربي قبل أن يصطلي بنارها العالم الغربي. هذا الوضع الذي تخطى حدود الثقافة الضيقة، وصار همًّا عالميا يجعل من اللغة العربية المستهدف الأول في كيانها لغة وفي محمولها التراثي ذخيرة ومرجعية.

ويضيف الدكتور مؤنسي بأن الاستشراق الذي كان ولا يزال في بعض فروعه طليعة الحملات الاستعمارية المادية والفكرية، حاول أن يبث في صفوف المتحدثين بالعربية فرقة طائفية ليغذي من خلالها بعض النعرات القومية، يحيي بها لغات مندثرة، وانتماءات قديمة طواها التاريخ من أزمنة بعيدة، ليصنع منها عوائق في وجه العربية.

بل يؤكد الدكتور مؤنسي أن الاستشراق أثار أيضاً حملات تزعم أنها تخدم تسهيل استعمال اللسان العربي كفكرة تجديد النحو، وتجديد الكتابة، والاستغناء عن أجزاء كبيرة من التراث اللغوي في المعاجم الضخمة واختصارها على الدارج المستعمل اليوم بغية تخفيفها كلسان العرب، وتاج العروس، والبحر المحيط.. وغيرها من الموسوعات اللغوية ليبتر شطرا من تاريخها الطويل، فتضيع معه نصوص تراثية كثيرة لا تزال تصنع حاضر اللغة العربية وتجدد قاموسها الحديث.

خاتمة:
ونختم بما حذر منه الدكتور مؤنسي وهو أن اللغة العربية تعيش اليوم غربة في أقلام أبنائها: أخطاء لغوية، وأخرى تركيبية، واستعمالا لمفردات في مواطن ليست لها أصالة.. وإذا لم يتدارك الأدباء هذا الوضع بإعادة إحياء اللغة في كتاباتهم وأشعارهم، كتابة تضع نصب أعينها جودة السبك، ومتانة العبارة، واللفظ في موضعه الذي هو له... فإن القادم من الأيام سيشهد تراجعا كبيرا للغة العربية أمام تحديات ترفعها الوسائط التكنولوجية الجديدة، وتضعها بين أيدي جيل ضئيل الزاد، ضعيف الصلة بلغته، مهزوز الانتماء...

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.