الخميس 18 رمضان / 23 مايو 2019
01:57 ص بتوقيت الدوحة

قطرة من بحر

الشجرة والقلم

أحمد يوسف علي

الجمعة، 08 يناير 2016
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
البحر والمداد سائلان وردا في سياق كلمات الله التي لا تنفد. فلو كانت البحار كلها مدادا لتسجيل كلمات الله ما نفدت هذه الكلمات. وفي "لقمان" ورد هذا التشبيه التمثيلي معتمدا على عناصر أخرى غير السيولة وهي النبات. وللصلة القوية بين الماء وكل الكائنات، ورد ذكر الشجر والقلم والمسرح الكبير وهو الأرض التي تتسع للماء والنبات كما تتسع للحيوان والإنسان وكل خلق الله. فأشجار الأرض لا يدرك الإنسان حدودها وإن أدرك ضخامتها وصلابتها وليونتها ووظيفتها. وهذه الأشجار متغيرة الأحوال تبعا لحركة الشمس والكواكب، ومتعددة الأشكال من بيئة إلى بيئة، ومختلفة الأطوال والألوان، وهي فوق ذلك الجمال البصري، عنصر من أهم عناصر التوازن البيئي. وقد جاءت هذه الأشجار مقترنة بالقلم وهو أداة الكتابة. وهذا الاقتران يستدعي الصورة الأولى للقلم الذي ورد ذكره في مواضع أخرى {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} و { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فالقلم مقسَم به وبما ينتج عنه من أثر، وهو سبيل التعلم أي سبيل حفظ العلم من الضياع. كما ورد لفظ الكتاب بمعنى المكتوب أي المدوَّن المحفوظ. والكتاب صورة من صور تجميع العلم وحفظه وتركه أثرا دالا على من فكر وكتب ودوَّن وحفظ وأخرج. وهذا الأثر مسؤولية صاحبه ومن يحمل عنه ويذيع بين الناس. وهذه المسؤولية مسؤولية اجتماعية تدخل في نطاق الحق الاجتماعي العام لخروجها من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة. ولا يعني تطور شكل التدوين ووسائله الخروج عن حدود هذه المسؤولية، بل يعني اتساع دائرتها باتساع المشاركين فيها والقائمين عليها.
فالأشجار في هذا الموضع لا تختلف دلالتها البيانية عن دلالة البحر لو كان مدادا، ولا تختلف دلالة القلم عن دلالة المداد الذي هو طاقة القلم الذي نسطر به ما نسطر. فكلاهما أداة من أدوات الحضارة اكتشفهما الإنسان عبر مسيرته التاريخية. وكلمات الله التي صورها هذان التشبيهان: البحر مداد. الشجر أقلام. لا تقف فقط عند دلالة المطلق الذي لا حدود له ولا نهاية، ولكنها في ضوء ما سبق تحدد رقابة فاعلة على كل أحداث الكون، ومن أهم ما في الكون الإنسان بوصفه صاحب الوعي والتكليف والمحاسبة. فكلمات الله أوسع من أن تحدها حدود أو تحول دونها العوائق، وهي متجددة بتجدد فعل الخلق. وأفعال الإنسان على الأرض واقعة في حيز المقبول والمرفوض والقبح والجمال والعدل والظلم والرحمة والقسوة والقوة والضعف والنقص والكمال والعلم والجهل والسهو والتذكر والحلم واليقظة. أفعال بهذا الاتساع على امتداد الخلق وقدم الكون لا بد أن تخضع للحساب، ولا حساب بلا كتاب، ولا كتاب بلا كاتب ولا كاتب بلا قلم ومداد. وكلمات الله كما قلنا أكبر من أن يحيط بها عقل أو خيال، ولعل ما يؤكد هذا الفهم بقية التشبيه التمثيلي في قوله تعالى {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} فالقلم بعدد ما نقتطع من الأشجار على الأرض مداده البحور التي تنفد ولو كانت سبعة أبحر. هذا التقريب الحسي جعل حدود ما فوق الإدراك متصورا، وجعل ما هو غائب عن الحس والوجدان حاضرا ودعم إحساس العاقل بأهمية فعله وعزة الله وحكمته.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.