الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
02:20 ص بتوقيت الدوحة

قطرة من بحر

البحر والمداد

أ.د.أحمد يوسف علي يوسف - أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة قطر

الجمعة، 01 يناير 2016
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
نهض التشبيه على اقتران الأقل بالأكثر أو الأصغر حجما بالأكبر حجما، وحين يخرج التشبيه عن هذه القاعدة يسمى "التشبيه المقلوب" والبحر كلمة دالة على الاتساع والعمق كما تدل على الغموض والرهبة، وتستدعي التأمل والتفكر، كما قد تدل على بحر معين أو على مطلق البحر أو كل البحور. وقد وردت مقترنة بكلمة المداد، وهي كلمة تعنى العون والمدد والطاقة ومنها جاءت دلالتها على الحِبْر الذي يمد القلم بالقدرة على الكتابة، ودلالتها على المحبرة، والحَبْر من حَبَر وهو السرور والاتساع والرحابة ومنه الحِبَرة نوع من البُرُد الجميل للزينة، فهل من رابط بين البحر والمداد في هذا السياق؟ البحر مداد، بمعنى اتساعه ووفرته وقدرته على إمداد القلم بما يحتاج من حبر للوفاء بعبء الكتابة مهما كان مصدرها وحجمها، ولكن هذا البحر الدال على كل البحور قليل ومعينه ينضب إذا وضعناه بجوار كلمات الله التي لا تنفد ولا تزول، والبحر ينفد ويزول؛ لأنه ليس مصدرا بل هو مورد نرده أو نصد عنه كما نرد مورد المياه عندما يظل وفيا بحاجتنا من الماء، ونصد عنه لنفاد مائه أو لجفافه أو لتغير طبيعته من العذوبة إلى الملوحة.
وكلمات الله مصدر كل شيء في الوجود، بل هي مصدر الحياة وسر البعث والنشور وسر أسرار الوجود لذلك وصفت بـ"كلمات الله التامات" بها كانت البداية وبها تكون النهاية، وهذه الكلمات ليس لها مدد تستمد منه بل هي مدد في ذاتها، وهي لا تنقطع بانقطاع ليل أو نهار أو صيف أو شتاء، هي دائمة لا يعوقها عائق من الزمان ولا من حواجز المكان، ولا من وهن ولا من نوم، ولا من صحة أو مرض. هي فوق كل الأعراض.
لذلك جاءت الآية الكريمة على هيئة أسلوب الإنشاء وهي تدل على الخبر، وجاءت على صورة الفرض وهي أُمّ الحقيقة، وجاءت على صورة التدليل وهي لا تحتاج للدليل، ومجيئها على هيئة الإنشاء، ابتداع لم يألفه المتلقي انتهى إلى خبر مؤكد وهو "لنفد البحر" وفرضيتها تقريب للعقل البشري الذي يقف عند حدود مدركاته، وكلمات الله فوق مدركاته؛ لذلك جاءت هذه الكلمات في صورة حسية مرئية ومعروفة للناس جميعا وهي صورة البحر والمداد، وللبحر في الوعي البشري صورة مهولة من الخوف والعمق والاتساع والرهبة، وصورة الاتساع هي الصورة الأوفر انتشارا في أدبيات المدح الدالة على جود الممدوح في الشعر الذي جعل الجود الوفير قرين الماء: البحر والمطر.
وقرين البحر المداد وهو وسيلة الإنسان لتقييد معاملاته وثمار خواطره وأشواقه، وهذا المداد يجعل حياة الإنسان عصية على عوادي الزمن؛ لذلك تبقى من الإنسان آثاره التي يسطرها على الورق أو وسيط آخر.
من هنا ندرك لماذا جاءت كلمات الله وهي فوق الإدراك مقترنة بهذا التشبيه الحسي البسيط القريب مع أنه متعدد الدلالات والأوجه، واستمر هذا التشبيه بقوله تعالى: "لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا" فالحبر لا ينفد إلا بنفاد مصدره وهو البحور حتى لو جاء الله بمثلها مددا، فهو الأعلم بكلماته وأسرارها وبيده خلق ما يشاء من المدد.

ahmed@qu.edu.qa

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.