الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
02:23 م بتوقيت الدوحة

دانات تحت المجهر

من فلسطين فهنجاريا إلى الدوحة

من فلسطين فهنجاريا إلى الدوحة
من فلسطين فهنجاريا إلى الدوحة
في أيام شهر ديسمبر الباردة، تحديداً يوم السبت بتاريخ 19 في الحي الثقافي «كتارا»، كانت الأغاني الوطنية تهل من كل حدب وصوب، وهناك العديد من الجهات الرسمية التي شاركت في الاحتفال باليوم الوطني، وبعد انتهائي من زيارة تلك الجهات اتجهت إلى المعرض الممتد على شاطئ البحر استكشف الإبداعات القطرية والوفود المشاركة، وهناك بين أواخر الأجنحة وجدت جناحا شد انتباهي، به رجل في بداية عقده السابع، مرتديا ملابس العمل الزرقاء وقبعة ونظارة طبية يكتسح الشيب رأسه، رسمت على جبهته خرائط الكدح والجد والمثابرة، متكئ على كرسيه الخشبي يعرض في جناحه المئات من مقتنياته التكنولوجية القديمة جدا من كاميرات وهواتف نقالة، إضافة إلى الأواني القديمة وآلات الخياطة، وأدوات دقيقة لم أرها من قبل، إضافة إلى المقتنيات التي تسرد لنا قصص تطور التكنولوجيا بعد ميلادها كأنها تقول التفتوا إلينا فنحن الأساس كان الرجل جالسا وممسكا باسطوانات موسيقية قديمة، أوروبية كلاسيكية الذوق، يقوم بتشغيلها على آلة تشغيل الموسيقى الفونوغراف التي نسميها في الخليج «البشتختة»، والتي أصبحت الآن مجرد ديكور نضعه في منازلنا وكان يمنع بعينيه وصوته هؤلاء الأطفال الذين كانوا يعبثون بالكاميرات والأدوات الدقيقة المفروشة على طاولات الخشب. اقتربت ملقية التحية بالإنجليزية، حيث ما بدا لي من شكله ومظهره أنه رجل غربي، وتفاجأت حينها أن الرجل ذو أصل عربي، ورد عليّ التحية باللغة العربية، ثم قمت بتصوير مقطع فيديو قصير «سناب شات» لمقتنياته المعروضة، وبعد ذلك غادرت المكان متسائلة ما الذي يجعل رجل عربي يفضل استعراض مقتنيات قديمة، بدلا من الجلوس في المقهى لمشاهدة المباريات على سبيل المثال كحال أغلب منهم في سنه، وبسبب شدة فضولي وتعجبي مما رأيت قررت الرجوع لنفس الجناح وطرح بعض الأسئلة عليه بعد أن استأذنته، رحب بي، معرفا عن نفسه: «اسمي جهاد نمر هنية، فلسطيني المولد وهنجاري الجنسية، ومهندس ميكانيكي، أعيش في بودابست المجر، دعتني الإدارة الثقافية «كتارا» للمشاركة في المعرض.. وأما عن هوايتي فهي بدأت معي في ستينيات القرن الماضي على شاطئ غزة عندما لفت انتباهي رجل يدعى إبراهيم المغربي كان يلتقط بعض الأشياء ويقوم بفحصها، والفضول هو البداية للهواية، فوجدته غارقا في التدقيق، فسألته مقتربا ماذا وجدت؟! فتبين لي أنه كان يدقق في الأواني الفخارية وبدأ يسرد لي الحقبات والغزوات وكل من مر من هنا وكان سردا جميلا خطفني، وواصل قائلاً: «إلى هذه الساعة فإنني أعيش مع حضارات سادت ثم بادت، وأنا الوحيد من عائلتي الذي يهتم بالمقتنيات ولديه هذه الهواية وتأثرن بناتي بها، كما أن اهتمامي بمقتنياتي كاهتمامي بأفراد عائلتي وأهوى التنقل لزيادة المعرفة، ولأشاهد ماضي البشرية المشترك».
وآخر ما قاله الأستاذ جهاد هو أن لو وافته المنية فهو يتبرع بكل مقتنياته من أجل أطفال فلسطين في قطر وذلك بعمل متحف توضع فيه كل مقتنياته إضافة إلى مقتنياته التي يحتفظ بها في مخازنه الكائنة في بودابوست التي تحوي السيارات القديمة أيضاً.
التقدم في العمر لم يمنع المهندس جهاد من ممارسته لهوايته ذات الطابع الفريد والمميز، ولم يمنعه أن يقطع مسافات طويلة ليصل للمشاركة في معارض الخليج، وهذا دليل على حرصه واهتمامه للوجهة العربية ليس فقط الغربية التي يعيش فيها لينشر الوعي التراثي الثقافي حول تلك المقتنيات الثمينة القديمة وتاريخها العبق، ورسالة إلى كل الجهات المختصة المهتمة بالتراث التكنولوجي التقني الاهتمام بتلك الشخصيات، والتركيز عليهم كحلقة يكتمل بها العقد.
التعليقات

بواسطة : ايمن عمار

الإثنين، 28 ديسمبر 2015 07:58 م

مقالة رائعة .. واكثر ما أعجبني فيها بعيدا عن جمال الأسلوب واختيار الكلمات وطريقة السرد الشيقة .. هي الحوار بين الكاتبة والرجل المسن واستماعها له وتشوقها للمعرفة عنه وعن حياته .. ففي داخل المقالة ما يشبه صلة الرحم مع اباءنا وجدودنا التي فقدناها في عصرنا الحالي .. تحياتي للكاتبة وللوالد الكريم جهاد.

اقرأ ايضا

قُطّاع الطرق

23 نوفمبر 2015

التوجه الذهني الإيجابي

04 نوفمبر 2015

لغة بلا صوت

27 أكتوبر 2015