الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
11:05 م بتوقيت الدوحة

سنة خامسة «صدمة»

سنة خامسة «صدمة»
سنة خامسة «صدمة»
من بين ما تحاول المعدة التونسية هضمه في سنتها الخامسة «ربيع», التعود على التعايش مع الصدمات التي بدأت ذات 14 جانفي 2011 ولم تنته, ولن تنتهي قريبا.
فالخروج من البيت المسيج الدافئ, ومن رتابة حركته إلى الهواء الطلق, فيه حر وقر وعطاس. وليس من باب الصدفة أن تكون على رأس أكثر المهن ازدهارا خلال السنوات الخمس الماضية مهنتا المحاماة والطب النفسي, ليس لتعاظم الشعور بالظلم وإنما بسبب التوق الزائد إلى العدالة بلا سقف, وبسبب «الصدمة الحضارية» التي خلفها زلزال سياسي رمى بظلاله على مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية, فخلق ثقافة جديدة تحاول أن تحل بين الناس حلولا دائما, فيتلاطمها المد حينا والجزر حينا.
لذلك تجد الناس منقسمين حول كل شيء.. ومن يفرح اليوم لأمر, يحزن لآخر في اليوم الموالي. هكذا توزعت مقادير السعادة والقلق بالقسطاس في تونس, وانتفى الرضا التام كما السخط التام، فحدث هذا الأسبوع أن أسقطت هيئة مراقبة دستورية القوانين خمسة فصول من قانون المالية لسنة 2016, كان مررها مجلس الشعب بالأغلبية لكن الأقلية المعارضة قطعت الطريق أمامها باللجوء إلى هذه الهيئة، ففرح هؤلاء لـ «دولة القانون» وانزعج مئات الآلاف لشائعة سرت بينهم ملخصها أن الدولاب الاقتصادي البطيء أصلا, سيتوقف نهائيا عن الدوران, ما دام قانون الموازنة المالية قد تعطل كاملا.. وكله بسبب الديمقراطية!
كذلك فعلت ذات الهيئة مع قانون المجلس الأعلى للقضاء الذي مررته الحكومة والبرلمان بالأغلبية, لكنه سقط لدى فحص مدى مطابقته للدستور, فصدمت الحكومة والأغلبية المساندة لها.
الحكومة وأغلبية البرلمان ليسا في هناء بال دائم ولا بمنأى عن الصدمة في النظم الديمقراطية, لأنهما كثيرا ما يتسببان –باسم الديمقراطية- في التشويش على راحة بال الشعب بقرارات أو قوانين شبيهة بـ «الانتزاع للمصلحة العامة». يبكي صاحب الأرض المنتزعة وتفرح الدولة والمارون على الطريق المقامة فوقها، وفي المقابل يحدث للدولة أن تبكي عندما تؤلمها المطلبية المجحفة, فتضطر للاقتطاع من لحمها لإرضاء النقابات وإلا تعطل فيها العمل -وقد حدث ذلك مرارا وتكرارا في تونس- كما حدث أن بكى «الثوريون» لأن الديمقراطية أقصتهم من السلطة وجاءت بـ «الحرس القديم», ثم زاد صوت النحيب عندما نجح هؤلاء فيما فشل فيه الآخرون.
ذات الجدلية المقلقة تعيشها الأحزاب وزعماؤها، فيها من سره زمن ساءته أزمان، وها أن النجم الصاعد محسن مرزوق يصبح نجمة سائلة في غضون أشهر, والنجم الآفل المنصف المرزوقي يحاول البزوغ من الرماد، كذلك حزب «نداء تونس» الفائز في مسابقة الجمال السياسي, وجد نفسه حاكما لا يحكم, و «النهضة» وصيفة المسابقة ذاتها, سرقت التاج من الحزب المتوج وهو سعيد، فيما يتميز كثيرون -من أنصار هذا وذاك- غيظا, وهم يرون تونس تمشي على رأسها, في حين أن الصورة الجديدة للبلاد لا رأس فيها ولا قدمين!
الحرية مرهقة لكل من ينخرط فيها، ذلك الإرهاق الذي تلحقه حسناء لعوب بقلب متيم عليل, يكفيه منها برهة غنج قبل أن يرتد إلى طعنة في الصميم, وهكذا إلى أن يفعل الزمن بتواتر الصدمات فعله في الحسناء كما في قلب العاشق المتجمدة جروحه, فيخبو «الهياج العاطفي» فاسحا المكان لعادة الزمان وقانونه عندما يهدأ بندول الساعة, وتصبح رتابة دقات ساعة الديمقراطية بمثل دقات الساعة السويسرية, تشبه هدوء بيت مسيج ومحصن بالصدمات، لكن ذلك يشترط أكثر بكثير من صدمات سنوات خمس.

❍ faisalba2002@yahoo.com
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018