الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
05:05 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

الهموم.. على طريقة المتنبي!

الهموم.. على طريقة المتنبي!
الهموم.. على طريقة المتنبي!
إمبراطورُ الشعراء كما وصفه العالم الجليل، الأديب الفذ، الدكتور: عائض القرني، (أبوالطيب المتنبي!). قلت له ليلة (أعني الشيخ عائض وليس المتنبي)!: يا شيخ أنا من عشاق المتنبي! قال: وأنا عاشقٌ له ولابن تيمية!.
أحمد بن الحسين، الذي لا يعرفه الناس بهذا الاسم، بل غلب عليه لقبه وكنيته (أبوالطيب المتنبي)، من يقرأُ شعره يشعر بأنه استحق قول الناس عنه: (مالئُ الدنيا، وشاغلُ الناس).. شغل الناس بأكثر من خمسمئة بيت تدور فقط على ألسنة الملوك، هذا غير الرقي الملموس في وصفه، وغزله، وفخره، وشعره كله. هل أنا متعصبٌ له؟! هكذا يقول الناس أيضاً!.
رجلٌ في شهرته سيصيبه حسد الناس ولا شكَّ، لكنه هو يتعجب لماذا يحسدني الناس؟،
أنا أشتكي من أمورٍ هم يرونها نعمةً، ويحسدونني عليها، لماذا الحسدُ يا ناس!، ولا يرى أن ما وصل إليه من مجدٍ قد أكسبه السعادة، فيقول:
ماذا لَقيتُ منَ الدُّنْيَا وَأعْجَبُهُ ** أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ!
عجباً لك يا أبا الطيب! لم تر زماننا الذي أصابته التخمة من شِعر شُعراء، بعضهم يستحق شِعرُه أن يوصف بأنه شعيرٌ! ومع ذلك فقد أزعجوا الخلق بإيهام الناس بأنهم أسعدُ الناس، بما نالوا من قصور فاخرة، وسيارات نادرة، وهدايا خالدة، وسفرياتٍ كلَّ صيفٍ إلى بلاد الأرض كلها! ويشكون الهموم أيضاً والفراق والصد والهجران!.
أما أنت فمهمومٌ لا نعرف فيما تفكر، وما الذي شغلك عن نفسك؟.
علمنا أنك تركت خلفك في حلب (سيف الدولة)، وقطَّع قلبك الحزنُ على فراقه وفراق من أحببتَ لديه! وأنك قلت بيتك هذا عندما رميتَ (كافورا الإخشيدي) خلف ظهرك، بعد أن خلَّدتَ ذمَّه بأبياتٍ ما عرف التاريخُ أهجى منها!، لكنك لم تُحسد على سيف الدولة، وبني حمدان، ولا على كافور، بل على شعرك العظيم، الذي تشتكي منه، ورغم هذا لا ترى أنه يستحق الحسد، خلافاً لمن قال إنك حُسدتَ على ما نلت من مالٍ وغنى.
يا أبا الطيب، كلما أقرأ شِعرَكَ:
أظْمَتْنيَ الدُّنْيا فَلَمَّا جِئْتُهَا ** مُسْتَسْقِياً مَطَرَتْ عليَّ مَصائِبَا!!
يصيبني الرعب! فأقول في نفسي: أتراه يتحدث عني؟ تخيلت رجلاً يكاد يقتله العطش، فيمد يديه إلى السماء طلباً للمطر، ليروي ظمأه، فإذا بالسماء تمطره بالمصائب بدل الماء!.
لم تكتفِ بهذا بل زدتنا هماً على همٍّ:
كَيفَ الرَّجاءُ منَ الخُطوبِ تخَلُّصاً ** منْ بَعْدِ ما أنْشَبنَ فيَّ مَخالِبَا؟!.
صوَّرت المصائبَ في صورةِ وحوشٍ لها مخالبُ، غرزتها في جسدك! فكيف الخلاص منها بعد أن تمكنتْ؟.
ليتك سكتَّ ولم تؤلمنا بوصفك لنفسيتك التي كادت تنهار، فشعرنا أنك وحيدٌ في الدنيا، لا يؤنسه في وحدته إلا (الحزن).. الحزن الطويل الطويل، الذي ليس له نهاية! هذا الحزنُ هو هدية المصائب لك، بعدما جعلنْك وحيداً:
أوْحَدْنَني، وَوَجَدْنَ حُزْناً واحداً ** مُتَناهِياً فجَعَلْنَهُ لي صاحِبَا!!.
لقد ذكرتنا بالهدف الذي نراه في ميادين الرماية، يرميه الناس في زماننا بالرصاص الحي فإذا أصابوا منتصفَه صاحوا فرحين، وكلما انتهى رامٍ جاء بعده رامٍ آخر يتفنن في الرمي، هل تغضب مني يا حبيبي يا أبا الطيب إذا قلتُ لك: إنني مرة تذكرتُ بيتك (الذي سأخبرك به بعد قليل!) وأنا في إحدى ميادين الرماية وتخيلتُك مكان هذا الهدف؟!
ونَصَبْنَني غَرَضَ الرُّماةِ تُصِيبُني ** مِحَنٌ أحَدُّ منَ السُّيوفِ مَضارِبَا.
أنت تقول: "إن المصائب هي التي جعلتك هدفاً للرماة"، تأتيك المحنُ التي هي أقطعُ من السيوف من كل جانبٍ، وأنت واقفٌ تتفرج عليها، لا تستطيع الحراك!.
قبحك الله يا أبا الطيب! من أين تأتي بهذه المعاني كلها؟!.
ألم تخبرنا مرة أن فؤادك تحجَّر يوماً فلم تعد تحركه نشوة (المُدام)! (ابحثوا عن معناها في القاموس ولا تشربوها!)، وأنك لم تعد تكترث بجمال الغانيات، ونغماتهنَّ الساحرات، فقلت:
أصَخْرَةٌ أنَا؟! ما لي لا تُحَرِّكُني ** هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ؟!.
كأني مكانك! لكن ليس في شرب المُدام، بالضم.
أحياناً تمرُّ على الإنسانِ لحظاتٌ كأنَّه فيها صخرةٌ، لا يهزُّه طربٌ، ولا يفرح بمجلسٍ، ولا يلذُّ له طعامٌ ولا شرابٌ ولا حبيبٌ!.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017