الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
08:38 م بتوقيت الدوحة

ثورة اللاثورة!

ثورة اللاثورة!
ثورة اللاثورة!
خمس سنوات بالعد، تمر الآن على «ثورة الياسمين» التونسية, تلك التي خلفت زلزالا ما زالت ارتداداته تمتد على الخارطة العربية من الماء إلى الماء... خمس سنوات شاب على مرها شباب كثر وما زال آخرون يحلمون بثورة غير مكتملة.
ومن أبرز مظاهر الاحتفال باندلاع «الثورة التونسية» كان مهرجان أقيم في مدينة سيدي بوزيد -التي أحرق فيها محمد البوعزيزي نفسه- بحضور وزيرة المرأة التونسية وفي غياب أم البوعزيزي وعائلته لتواجدهم الاختياري في كندا... لكن الشرطية البلدية الأشهر «فادية» كانت حاضرة في الموكب الرسمي بنفس وجهها ويدها التي صفعت محمد البوعزيزي قبل خمس سنوات, عندما أغلظ لها القول لما ضبطته يجر عربة خضره الخارجة عن القانون!
الاحتفال أيضاً كان خارجا عن قانون المنطق, واكتفى الإعلام المتكاسل بنقل وقائعه بلا حماسة تذكر ودون الخوض في معاني الغياب والحضور, وكان الضمير الجمعي التونسي متوافقا على المواربة في كل شيء... وكأنه يخفي جاهدا اللاحتفال بالاحتفال, من رأس هرم السلطة إلى صفحات التواصل الاجتماعي, مرورا بالإعلام الذي لم يدرج على تغطية نشاط وزيرة المرأة لأن مواضيعها لا تثير أحدا, ولا تزعج أحدا!
وعدا السنة الأولى من الفورة العامة ونصف تاليتها, أصيبت «ثورة الياسمين» بسكتة ما, نقلت تفاصيلها صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير ملخصه أن بعض من شارك في أحداث ما قبل 14 يناير نادمون اليوم ومدمنون على اليأس, لاعتقادهم بألا شيء تغير اليوم, إلا نحو الأسوأ.
قد تكون لتلك الصحيفة أغراضها «المغرضة», لكن تقريرها يشي بالانقسام الداخلي والخارجي حول مال «الثورة التونسية» بعد هذه السنوات الثقيلة, مع أمل يتجدد كل يوم في غد أفضل, وفي ثورة حقيقية بلا أشعار مائجة ولا عواطف هائجة ولا جدائل ياسمين تذوي في اليوم الموالي لقطفها.. بدليل أن آخر استطلاع للرأي أظهر أن ثلثي التونسيين متمسكون بالديمقراطية رغم أن ربعهم ليسوا متفائلين بمخرجاتها إلى حد الآن.
والواقع أن الشارع التونسي الغارق في مشاغله المعيشية يجد في ضيقه وقتا لتحسس ما يجري حوله من بعيد, فيقول رأيه ببساطة وبلا كثير تفكير وعناء لمندوبي شركات سبر الآراء ثم يمضي إلى شأنه مسرعا, عزاؤه أن الرواتب الشهرية متواصلة رغم تواتر شائعات قطعها.. وأن هناك دولة ما زالت قائمة وتجتهد من أجل توفير غذائه وأمنه.. تصيب حينا وتخطئ حينا, لكن الأمل في الغد الأفضل لا ينقطع رغم أن جذوة «الفرجة» قد ذوت, ومصداقية السياسيين قد قاربت النفاذ.
ذلك فيه شرح للإحساس الشعبي العام بـ «التشاؤل», وفيه معنى للاحتفالات الباهتة المراوحة بين الشكوى من فوضى المرور العارمة في الشوارع وبين الاستمتاع بفوضى العواطف.. لكن المؤكد أن شيئا ما بصدد الحدوث وليس أقله قانون المالية الجديد الذي لم يأبه له إلا عتاة مهربي السلع على الحدود وأباطرة الطب الخاص المحاصرون بشعار «العدالة الجبائية», وقد رفعته حكومات بورقيبة وبن علي فأسقطوه.. في حين يصعب اليوم سقوطه في ظل تنامي الوعي بضرورة علوية القانون, وبأن الثورة الحقيقية تبدأ عندما تتعب وتخفت الأصوات التي لا تعتاش إلا على ثورة اللاثورة!

❍ faisalba2002@yahoo.com
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018