الخميس 23 ربيع الأول / 21 نوفمبر 2019
07:38 م بتوقيت الدوحة

الدعاية المقلوبة وتكريس الاحتلال

الدعاية المقلوبة وتكريس الاحتلال
الدعاية المقلوبة وتكريس الاحتلال
تعتبر الدعاية من خلال قلب الحقائق والوقائع، من أخطر الأسلحة التي يستخدمها الاحتلال الصهيوني من أجل تثبيت فكرة وجوده وبقائه على أرض فلسطين في عقول الناس، كأمر واقع أولًا، وثانيًا من أجل تبرير انتهاكاته بحق الأرض والإنسان الفلسطيني، وثالثًا من أجل إضعاف جذوة المقاومة والانتفاضة وشعبيتهما، ورابعًا من أجل ضرب الروح المعنوية للشعب الفلسطيني بالشكل الذي قد يدفعه للركون والميل لعدم المقاومة، وخامسًا من أجل إضعاف حالة التضامن مع الشعب الفلسطيني.
لكن الإعلام الاجتماعي شكل ثورة حدت من انتشار الدعاية التي كان يبثها الاحتلال لعقول الناس؛ بفعل عدم تبعية هذه المواقع لسياسة تحريرية تقود الوعي الجمعي نحو أفكار تحددها الدولة وأجهزتها المختلفة خصوصًا الأمنية، إلا أن الاحتلال الصهيوني مستمر في أساليبه بالدعاية الممنهجة، ويحاول استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لذات الغرض قدر الإمكان، من خلال مواقع وصفحات ناطقة بالعربية موجهة للفلسطينيين أو للعرب وغيرها بلغات أخرى، غير أنه يستخدم أيضًا مستأجرين عرب أو ما بات يطلق عليهم بـ»المتصهينين العرب» للوصول إلى غاياته، وقد يكون هؤلاء إعلاميين أو كتابا وفّر لهم المنابر والإمكانات من أجل الوصول إلى عقل الجمهور.
سياسة قلب الحقائق من المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها الدعاية الصهيونية، ومن ذلك أنه يحدد بداية الأحداث من حيث يريد ويرغب لا من حيث الواقع والحقيقة، فهو مثلًا في هذه الانتفاضة يحاول أن يقول للعالم أن البداية هي قيام فلسطيني بعملية وقتله للصهيوني أو ما شابه، ويتغاضى عن أصل الأحداث وهي جرائمه بحق الطفل دوابشة وعائلته مرورًا بحادثة الهشلمون وغيرها، وصولًا للانتهاكات المستمرة حتى هذه اللحظة في المسجد الأقصى، وهو يعمد إلى تأويل فعله على أنه رد فعل، وما يقوم به الفلسطينيون هو الفعل وأصل المشكلة، متناسيًا أن وجوده على الأرض المحتلة بعد سرقتها من أهلها وطردهم أو قتلهم وسجنهم هو أصل كل مشكلة والباقي توابع، ومقاومة الأصل أو التوابع حقٌ كفلته كل الديانات والأعراف.
كما يعمد الاحتلال في دعايته إلى تحميل تبعات الأحداث على المقاومة، فمثلًا حصار غزة وإغلاق معابرها والعدوان عليها سببه المقاومة وليس أسلاك الاحتلال الشائكة ومنعه لإقامة الموانئ والمطارات، وارتقاء الشهداء سببه المقاومة لا طائراته الحربية وصواريخه وقذائفه، في حالة استهلاك رخيصة للوعي يتساوق معها بعض الخونة والجهلة الذين يغيب عنهم أن المقاومة إنما تدافع عن نفسها وشعبها وأرضها وحقها، وأن هذه التكلفة نتيجة وجود الاحتلال على الأرض وليس نتيجة وجود المقاومة.
والاحتلال حين احتل الأرض عام ١٩٤٨ وقبلها وشرد وذبح عشرات الآلاف، هو ذاته الموجود اليوم لم تتغير سوى أساليبه وطريقة ذبحه التي أصبحت حسب «الإتيكيت» يجب أن يكون لها مقدمات وجملة من المبررات المفتعلة وغير المفتعلة حتى تكون حضارية ومستوعبة عند المغفلين، فهذا الشيء أصبح من ضرورات العصر ويتغاضون عن الأصل العقدي للصراع، فهم يقتلون اعتمادًا عليه ومن أجله تجمعهم فكرة الهيكل وأرض الميعاد ويهودية الدولة، وجاءوا ليطردونا من بلادنا ويقيموا أحلامهم وأوهامهم على أنقاض بيوتنا وأحلامنا.
لا شك أن في كل مجتمع ضعاف نفوس، فحتى مجتمع الصحابة الفريد كان فيه أتباع عبدالله ابن أبي ابن سلول، لذلك لا أنفي وجود أمثالهم في مجتمعنا الفلسطيني أو أي مجتمع آخر، لكن «التعميم من العمى» كما يقولون، والاحتلال عبر المتصهينين العرب من إعلاميين تقودهم مخابرات متواطئة، يعمدون منذ سنوات لترويج شائعات ومغالطات كبيرة بحق الفلسطينيين، ومن ذلك اسطوانة «باعوا أرضهم» التي لم تثبت تاريخيًا إلا على بعض التجار العرب الذين استثمروا في فلسطين، وربما وقعت حوادث فردية قليلة وعابرة لم تثبت لي إحداها في محيط من عاصرتهم وعاشوا النكبة فكلهم هُجّروا قصرًا، ويهدف هذا النوع من الدعاية لإضعاف التضامن مع الشعب الفلسطيني على أنه متنازل عن حقه، فهل نكون ملكيين أكثر من الملك؟
ناهيك عن واقع الفلسطينيين في الشتات الذين لا زالوا يعيشون في بيوت هي أقرب للخيام، وقليلٌ منهم من استطاع بناء نفسه وحياة كريمة لأهله، فأين الملايين التي باعوا أرضهم بها، ولماذا خرجوا ومعهم مفاتيح العودة؟
غير أن الدماء والتضحيات المستمرة حتى يومنا هذا أصدق من كل الكلمات لمن أراد أن يقرأ بقلبه وعقله.

❍  @rdooan
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.