الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
06:41 ص بتوقيت الدوحة

هو وأمه.. أي قلبٍ هذا؟!.

هو وأمه.. أي قلبٍ هذا؟!.
هو وأمه.. أي قلبٍ هذا؟!.
كانت ترى فيه السعادة في الدنيا كلها ولا ترى في الدنيا سواه؛ لأنه وحيدها، وكانت وحيدته؛ إذ إنهما كما يقول أهل هذا الزمان (مقطوعان من شجرة)! وترجمتها: أنهما لا قريب لهما ولا حبيب! مات زوجها ولم يترك وراءه لها سوى بيت من الطين وطفل.

كبر، وتخرج من الجامعة، وذهب للدراسة في أوروبا، وغاب عنها ست سنوات، تقطع فيها قلبها عليه. ثم عاد (دكتوراً) وباع بيت الطين، وتزوج امرأة من طبقته هو، ذات منصب وجمال، لكنها كانت بارعةً في المكر والكيد. صبرت عليها الأمُّ صبر أيوب، ولم تشأ أن تجرح مشاعر ابنها؛ فلم تخبره بشيء. كان إذا جاء من عمله انفردت به زوجته في غرفتها، وسردت له أحداث النهار كله، وأمك فيها وفيها. كان يعجب إذا سأل أمه عن زوجته؛ فتثني عليها خيراً. نفد (بالدال) صبره وإيمانه، فوقف على رأس أُمّه وهي تغسل ثيابها في (حوش) المنزل! -وتلك الأفعى وراءه بشعرها الطويل المنثور على ظهرها- وقال لها بصوت الآمر: (يا أمي، إما أن تراعي منصب زوجتي وتستقبلي زميلاتها بثياب حسنة وكلام زين ولا تجلسي معهم في الصالة، وإلاَّ). أظلمت الدنيا في عينيها، ودخلت ملحقها الصغير ورمت بنفسها على فراشها. وبكت حتى كاد أن ينشق قلبها. زادت الأفعى في خبثها؛ وزادت أُذُن الدكتور في سماعها! حتى كانت الطامة الكبرى وقاصمة الظهر: (عقلية العجائز هذه لم تعد تناسبنا، صارت قديمة، تفهمين؟ الله يستر عليك نحن لم نعد نصلح لك، ولا أنتِ تصلحين لنا). حملت الأم في يدها كيساً من القماش أودعته ما لديها من ثياب، وخرجت حتى إذا وقفت بالباب التفتت إليه ودموعها تسطع على خديها في ظهيرة تشوي الوجوه. وقالت: سامحك الله يا ولدي، والله ما عملت لكم إلاَّ كل خير أنت وزوجتك، ثم شهقت شهقة ملؤها القهر، وذهبت إلى حيث لا تعلم. حاول أن يوقظ ضميره فيلحق بها؛ فمنعته الأفعى الرقطاء الجميلة الناعمة الملمس، فلم يفعل. مرت الأشهر وهي تسائل عنه ما تبقى من جيرانها. وكانت تنتقل من هذا الجار إلى هذا إلى ذاك، تأخذ في حياء شديد ما يقدمونه لها من صدقات.
مرض وأنفق جُلَّ أمواله في علاج مرضه، بل كل ماله؛ وباع بعض أثاث منزله، وقفت الأفعى الرقطاء في وجهه يوماً في إثر خلاف بينهما لتكثر عليه الطلبات؛ فلما لم يستجب قالت بصلافة المسترجلات: (صبرت عليك وعلى أمك من قبل، أنت الآن وللأسف لم تعد رجلاً، ولا استعداد لديَّ أكثر من هذا أن أعيش مع فقير مثلك، طلقني!) قال: فكأنها صفعتني على وجهي بيد من حديد؛ وألقتني في صحراء النفود عرياناً. طلقها، وذهب يبحث عن ذكريات قديمة مفقودة (أمه الحبيبة الغالية، المظلومة)، طرق باب كل بيت في الحي القديم، وسأل عنها كل جار، لكن دون جدوى، بحث عنها في ثلاجات المستشفيات، وفي أقسام الشرطة، دون جدوى أيضاً، أعياه التعب! حتى ظن أنها قد ماتت، هام على وجهه بحثاً عنها.. وأيضاً بلا جدوى.
وفي يومٍ في طريق عودته مر بمسجد الحي القديم ليصلي به صلاة المغرب، علَّه يجد عنها خبراً لدى جيرانه الأقدمين، فإذا به يرى منظراً يؤمن لرؤيته الملحدون ويتوب العاصون، منظراً يقطع نياط القلوب ويمزق الأحشاء ويستنزف الدموع من العين بالقوة؛ ماذا تتوقعون؟! إنها أمُّه الحبيبة الغالية (تشحذ= تتسول) الناس على رصيف المسجد.. وتمد يداً لطالما مدتها إليه في صغره بالريال والخمسة والعشرة، تماماً كما تُمد إليها أيدي المصلين الآن بالريال والخمسة و..، ولطالما عطفت عليه في صغره وحزنت عليه في غربته في كبره.. واليوم تتسول لتعيش فقد ملت من عطايا وصدقات الجيران وأحست أنها عالةٌ عليهم وأنها أذلت نفسها كثيراً كثيراً.. فلجأت إلى استجداء عباد الله بجوار بيت الله!
ارتمى بين يديها يقبل أقدامها ويديها ويضع قدميها على خديه، وبكاؤه يشق الفضاء؛ منظرٌ يقف الحليم أمامه حيران، حملها بين يديه، أمام المصلين وذهب بها يمشي على وجهه إلى منزله، وهو يردد بصوت متهدج مخنوق بالدموع والحسرات، وجؤار يملأ الشوارع: لا بارك الله في الزوجة، ولا في الدكتوراه، ولا في العمارة، ولا في الراتب، ولا في المال ولا فيمن فرَّق بيني وبين أمي. وذهب يحملها بين ذراعيه وطرف (شماغه) يخط على الأرض و (عقاله) على ذراعه اليسرى. وولى ظهره للدنيا!

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017