الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
01:55 م بتوقيت الدوحة

تركيا بعد إسقاط المقاتلة الروسية

تركيا بعد إسقاط المقاتلة الروسية
تركيا بعد إسقاط المقاتلة الروسية
بنبرة توحي بالانتصار أعلن رئيس الوزراء التركي قبل يومين التوصل إلى اتفاق شامل مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين والعلاقة مع أوروبا، نص الاتفاق على دفع الاتحاد الأوروبي ثلاثة مليارات يورو مقابل أن تصعد تركيا من إجراءاتها في الحد من تسلل المهاجرين عبرها إلى دول الاتحاد الأوروبي، كما شمل الاتفاق دخول تركيا منطقة الشنغن الأوروبية خلال عام في حال التزمت بمجموعة من الإصلاحات المتعلقة بالهجرة، وأعلن كذلك عن العودة إلى طاولة المفاوضات لانضمام تركيا إلى الاتحاد، كل ذلك يأتي في ظل الأزمة العالمية التي نتجت عن إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية التي تعدت على الأجواء التركية.
الحديث مع تركيا بدأ مع أزمة تدفق اللاجئين إلى أوروبا وتم التسريع به بعد عمليات باريس التي يعتقد أن منفذيها استغلوا بوابة اللجوء للوصول لأهدافهم، وتركيا التي تستضيف أكثر من مليوني لاجئ سوري دون دعم أوروبي يُذكر كانت تطالب دوماً بأن يشاركها العالم بجدية في هذا المجهود الضخم الناتج عن إخفاق المجتمع الدولي في إيقاف جرائم النظام السوري وحلفائه، اليوم وكما يذكر العديد من المراقبين نجحت تركيا في فرض شروطها على الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه صعدت روسيا من إجراءاتها تجاه تركيا من خلال العقوبات الأحادية وإعلان الكرملين أن بوتن لن يلتقي أردوغان على هامش قمة المناخ في باريس، ومع صبيحة كل يوم يخرج علينا الناطق باسم الكرملين بمجموعة إجراءات جديدة مستفزة تجاه عضو الناتو، مقابل ذلك حين التقى أوباما ببوتن في باريس قدم «تعازيه» وعبر عن «أسفه» حيال مقتل الطيار الروسي، وأعاد تكرار الأسطوانة المشروخة حول أهمية أن تستهدف موسكو مواقع تنظيم الدولة الإسلامية فقط، وحسب المصدر الذي أوردته وكالة «رويترز» فإن بوتن اكتفى بالتأكيد على أن وزراء خارجية الدولتين سيواصلان التشاور حول سوريا.
تركيا تعرف أنها لن تجد في الولايات المتحدة حليفاً يتناسب مع التحدي الضخم الذي تواجهه على حدودها؛ لذلك اتجهت لأوروبا، واشنطن أبدت تأييداً شكلياً لتركيا في الأمم المتحدة حين أنكر مندوبها هناك الرواية الروسية حول أن بلاده كانت على علم بخط سير المقاتلة وأنها لم تدخل الأجواء التركية، ولكن على الصعيد العملي لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً حتى بعد أن نشرت موسكو منظومة صواريخ دفاعية في سوريا في مشهد يعيدنا إلى أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، في ظل ذلك تمكنت الحكومة التركية من الحصول على دعم أوروبي تبعه تأكيد من الناتو بالتضامن مع تركيا، كل ذلك كان نتيجة قرار أنقرة بإسقاط الطائرة الروسية التي انتهكت أجواءها، تركيا نجحت في توظيف المشهد لصالحها بعد أن كان مناوئو تركيا وحزبها الحاكم يبشرون بعضهم بهزيمة تركية قريبة على يد بوتن.
بالإضافة للحصول على مطالبهم من الاتحاد الأوروبي، والدعم العلني من خلال الناتو، أعلن الأتراك عن جهد عسكري جديد في سوريا بالتعاون مع المملكة العربية السعودية ودولة أخرى لم يحددها رئيس الوزراء التركي في خطابه وربما تكون فرنسا، يتركز هذا الجهد علناً لمقاومة المجموعات الإرهابية في سوريا، ولكن يبدو أنه سيوفر دعماً للمعارضة السورية ضد تنظيم الدولة الذي تتماهى حركته على الأرض مع حركة النظام السوري، شرقاً وغرباً يبدو أن تركيا حصلت على مبتغاها.
لا شك أن الخطر ما زال قائماً على الحدود التركية فروسيا ستستمر في التصعيد، وإن كنت أستبعد أن يصل بها هذا التصعيد إلى أعمال عسكرية مباشرة تجاه تركيا، ولكن آلة الحرب الروسية بإمكانها أن تفعل الكثير دون أن تقدم على ذلك، مثلاً بإمكان الروس دعم حزب العمال الكردستاني الذي تمتد عملياته إلى الداخل التركي، أو تقديم تسهيلات لتنظيم الدولة ليشن هجمات على المصالح التركية، ومع غياب الدور الأميركي في دعم تركيا من الوارد أن تجد تركيا نفسها في مواجهة مباشرة مع الروس على الساحة الدولية باستخدام روسيا ثقلها في منطقة بحر قزوين؛ حيث تتقاطع المصالح ودوائر التأثير التركية والروسية.
تركيا اليوم تطمح لأن تكون قوة مستقلة مؤثرة على الصعيد العالمي بعد الفراغ من حالة الانقسام الداخلي نتيجة الانتخابات قبل الأخيرة، واليوم بعد أن استقرت الأمور داخلياً بالنسبة للأتراك جاء الدور على تأمين العلاقات والحدود الخارجية بما يتفق ومشروع التوسع التركي، ربما نقف اليوم على أعتاب حرب عالمية جديدة، وربما تنتهي هذه الأزمات المتتالية بهدوء نسبي وتراجع روسي، ولكن الحكومة التركية حتى الآن على الأقل نجحت في استغلال الفرص التي توفرت لها وتحويل المحنة إلى منحة.

• majedalansari@hotmail.com
 @majedalansari
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا