الأحد 10 ربيع الثاني / 08 ديسمبر 2019
02:54 ص بتوقيت الدوحة

الاتحادي والوسط

الاتحادي والوسط
الاتحادي والوسط
نشأت الحركة الاتحادية السودانية في فترة المستعمر كتيار رئيسي في حركة التحرر، ورغم أن الدعوة للاتحاد مع مصر الذي ظهر في اسم الحركة يعبر عن توجه أساسي في برنامج الحركة, إلا أنه ليس المرتكز الفكري والسياسي الأوحد فيها, فهي حركة تعبر عن تيار وسطي معتدل وتمثل لحد كبير جماهير المدن وطبقات للعمال والمزارعين نشأت مع علاقات إنتاج جديدة بعد إنشاء مشاريع زراعية كبيرة وخطوط السكة حديد، وتزعم الحركة الاتحادية لنفسها وعياً غير موجود في تيارات وسطية أخرى بحكم إمساك القوى الحديثة لزمام القيادة السياسية في الحزب الوطني الاتحادي.
كاد يسود في السودان فهم خاطئ بأن الاتحاديين يمثلون وحدهم تيار الوسط العريض, وذلك من كثرة ترديد الاتحاديين لهذا الزعم ومجاراة كثير من وسائل الإعلام لهم. وضاعت بسبب هذا الزعم قوى وسطية أخرى بعضها كان ينادي بالاستقلال، وبعضها في قوى أخرى غير الاتحادية والاستقلالية.. وقد تكون من مناسبات تصحيح هذا الفهم الدعوة لتنظيم وسطي عريض يتجاوز الاتحاديين الذين لم ينحصروا في ادعاء احتكارهم للوسطية فحسب, بل استمرؤوا بعدها الاكتفاء بالدعوة لتوحيد الحركة الاتحادية التي تشققت, وكأن الحراك الوطني سوف يظل في حالة انتظار للحركة الاتحادية إلى الأبد.
تعرضت الحركة الاتحادية لانشقاقات بعضها بعوامل تخص التنظيم وبعضها بمؤثرات من الأنظمة الشمولية التي حاربت التنظيمات الديمقراطية، وظل الاتحاديون وبعض المشفقين على الحركة الوطنية يعبرون عن قلقهم من استمرار التشتت في هذه الحركة الوطنية الرائدة، لكن تكرار الدعوة لوحدة الاتحاديين بلا مردود يذكر بعث الفتور شأنه شأن كل مكرور رتيب، ويدعو للعجب الإصرار على جرعة موصوفة منذ زمان رغم مردودها العدمي, وعلى دعوة صارت باهتة حتى كادت أن تصبح مجرد تسجيل في دفتر الحضور, ووسيلة للنجاة من اللوم لا غير..
لا بد من تغيير هذه الجرعة واستبدال التكتيك, فالجوهر ما زال موجوداً في الوسطية المستنيرة المعتدلة, وليس بالضرورة التمسك بشكل تغير وتبدل عدة مرات في مسيرة رواد الحركة الاتحادية أنفسهم، وقد آن الأوان لأن تتجاوز التيارات الاتحادية غير الطائفية خلافاً تاريخياً مع تيار وسطي استقلالي غير طائفي, لتنضوي كل تيارات الوسط, اتحادية واستقلالية وغيرها من أحزاب وسطية نشأت حديثاً, في جبهة عريضة للوسط يحتفظ داخلها كل كيان باستقلاليته, ويترك شأن الاندماج بين كيانين أو أكثر للكيانات المعنية, وبهذا تتجاوز تنظيمات الوسط معضلة تباهي كل تنظيم بتاريخه وخصوصيته, وتتكامل جهود هذه التنظيمات المتشابهة بدلاً عن حالة التشتت التي أقعدت بتيار الوسط الذي يفترض أن يكون التيار الأكثر حيوية وفاعلية.
لقد أدى الإصرار على الوقوف عند محطة الاستقلال البعيدة, إلى تشتت تيار وسطى معتدل بين استقلالية واتحادية يفترض أن يكون قد انتهى بمجرد الاتفاق على الاستقلال، ولم يعد ثمة داع لوجود أبناء الاستقلالي المستنير محمد أحمد محجوب في تيار مناوئ لتيار الاستنارة الذي يقوده أبناء الزعيم إسماعيل الأزهري، وليس من المنطق في شيء أسر الزعيم إسماعيل الأزهري داخل الإطار الاتحادي الذي يضيق به وقد أصبح الزعيم بطلاً قومياً لكل السودانيين.. لقد أصبح لتيار الوسط المستنير آباء من عدة تيارات ومن مراحل مختلفة ولكن تمسك الوسطيين بأشكال محددة والوقوف عند محطات محددة حال بينهم وبين الانطلاق نحو آفاق رحبة, وحال بينهم وبين أبوة الأزهري، وعلى عبداللطيف والمحجوب وأحمد خير مبارك زروق وإبراهيم أحمد وعبدالرحمن على طه والشنقيطي مجتمعين, ليكونوا رموزاً و ملهمين لتيار الوسط العريض وجبهته التي تنتظم فيها تنظيمات الوسط المتعددة.. وفي مسيرة الوسط المستنير مدارس الفجر والهاشماب وأبو روف وغيرها من مناهل يمكن أن تكون نماذج لتجارب معاصرة شبيهة، وليذكر المتمسكون بوصفة الوحدة الاتحادية اليتيمة أن الأزهري كان في المؤتمر ثم في حزب الأشقاء ثم الوطني الاتحادي، فالاتحادي الديمقراطي, ولو تمسك بشكل واحد رغم اختلاف الظروف لما حقق المجد الذي جعل اسمه داوياً حتى اليوم رغم رحيله قبل أكثر من أربعين سنة.

• aim.hamad@yahoo.com
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.