الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
05:28 م بتوقيت الدوحة

قادة الأوركسترا

قادة الأوركسترا
قادة الأوركسترا
شاهدت الأسبوع الماضي فيلم ستيف جوبز الأخير. وفي هذا الفيلم حرص القائمون على إبراز ما يعرفه وما لا يعرفه المشاهد العادي عن عبقري عالم الأجهزة الإلكترونية.

لفت انتباهي مشهد يواجه فيه ستيف ووزنياك صديقه جوبز، فيسأله عن ماهية عمله الحقيقي في شركة «آبل» ولماذا يطلق الناس عليه ألقابَ العظمة، في حين أنه ليس بمخترع ولا مهندس، بل إنه لم يخترع أي شيء بنفسه في «آبل»، وعاجز عن فعل أبسط الأمور كضرب مسمار بمطرقة!، رد عليه جوبز بأنه قائد الأوركسترا، محرك الموسيقيين أو المهندسين والمبرمجين في عيون العالم.

وصدق جوبز في قوله، فلولا حماسه واندفاعه ورؤيته وحبه للكمال وتفكيره خارج الصندوق المثالي الذي حاول صنع شبيهه في الثمانينيات لما ظهر لنا الكثير مما كان يحلم.
 
ببساطة اهتم جوبز بشكل ومضمون ولون ومنظر أجهزته كمشهد طبيعي أخاذ، وحرص على أن تظهر المنتجات من تحت يده مختومةً بالكمال والبساطة والتفرد. وهذا من ذكاء جوبز، فقد حرص على أن تكون لمنتجات «آبل» فتحات ومنافذ وأجهزة وإكسسوارات خاصة بها فقط، هي من ينتجها ويوزعها ويبيعها، بالإضافة إلى نظام التشغيل المميز والآب ستور والآي تونز ستور. هذه النقطة هي ما ستجعل مبيعات سامسونج تتراجع بعد صراع مرير مع «آبل» بحسب توقعات الخبراء، فما عادت تقدم الجديد، خاصة مع استخدامها لنظام الأندرويد المعمول به من قبل شركات أخرى، بعضها يقل ثمن أجهزتها عن الشركة الكورية.

في الفيلم والكتب الراوية لقصة عملاق «آبل»، نرى طلبه الفاحش للكمال، وبحثه عنه بشتى الطرق، ولا أحد يتعجب عندما يرى أحد مغيري العالم الذي نعرفه يذهب إلى أبعد الحدود من أجل مراده. وكما قال إبراهيم عبدالقادر المازني: «الناس تتوقع الأفعال الغريبة والمريبة من الأدباء والشعراء»، وأزعم بأنه كان يقصد الفنانين كافة، بمن فيهم ستيف جوبز.

ستيف جوبز قائد ورائد أعمال بغض النظر عن شخصيته المختلف حولها، وفي حياته وعمله قصص يمكن لرواد الأعمال الصغار استخلاصها والاستفادة منها.

أولها: اغتنام الفرص الصغيرة قبل الكبيرة، فحجم الفرص لا يظهر للعيان في العرض الأول، بل قد يتغير على يد المبدع والمفكر.

ثانيًا: المال شيء وليس كل شيء. الصغير الداخل لعالم الأعمال واضعاً عينيه على المال كهدف أول سيفشل بالتأكيد، لأن غايته ستكون الربح السريع، لا المستمر المتواصل. والمال قد يكون هدفا للبعض، ولكن لا ينبغي أن يكون الهدف الرئيس، فهناك ما هو أسمى وأبقى من الدوافع كإحداث تغيير أو ترك أثر أو تطوير مجال، أو إثبات مبدأ. هذه الدوافع النفسية نتاجاتها أقوى من الدافع المادي لرواد الأعمال، وهي ما تدر وقود الإصرار لا المال.

ثالثاً: الاختلاف والتفرد هو ما يصنع الشيء والشخص والفكرة. الجميع يبحث عما يميزه ويقصيه عن باقي القطيع، وإن حدث وتميز أحدهم يقوم الآخرون بتقليده تدريجياً، وفي حالات كثيرة بعد محاربته. ثم يختلف شخص آخر ويُحارب ليقلد بعدها، وهكذا في حلقة لا نهائية كثقب أسود. هذا ما على الرواد أن يسعوا وراءه، الاختلاف، والمحاولة الجادة لجعل المختلف كاملا في جميع وجوهه. فالعميل في وقتنا الحالي لا يرضى «بأي شيء والسلام».. ما دام ليس صيني الصنع!.

رابعاً: التسويق الناجع، نجاح واقع!، التسويق هو نصف النجاح بعد النصف الأول، ألا وهو الفكرة المميزة. كم منا شعر لسنوات بأنه ينتمي لمخيم آبل، وبأنه لا يستطيع التغيير لمخيم آخر؟، هذا الشعور بالانتماء هو نتيجة تسويق شركة آبل العبقري، والذي يُرى بشكل واضح في موظفيها وهم يحيون الزبائن عند الافتتاح وكأنه متجرهم الخاص!، هذا الحس التسويقي نراه في شركات الطيران والسيارات، بل وحتى الأشخاص والقنوات التي يُجذب المشاهد إليها لأنه يحب الحرية والثورة والتعبير عن رأيه كما تفعل القناة، أو كما يظن الشخص أنها فاعلة!.

رواد الأعمال هم قادة الأوركسترا، قوائم فوربس تغص بهم، وهم يملؤون العالم، ويغيرونه فكرة.. فكرة.. فإن كان في داخلك عزيزي القارئ رائد أعمال صغير فابدأ العمل على فكرتك، واجعلها مشروعاً كبيراً.. هذا عصرك، الحق به قبل مغيبه!.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ضغط الهوية الذكورية

12 أبريل 2019

لا هستيريا ولا دراما

13 سبتمبر 2018

المرأة و«حاجاتها»

24 أغسطس 2018

تجعل كل شيء أفضل

09 أغسطس 2018

لا تقاوم

26 يوليه 2018

أن تكون وحيداً

19 يوليه 2018