الإثنين 19 ذو القعدة / 22 يوليه 2019
10:40 ص بتوقيت الدوحة

شكراً سراج الدين!

شكراً سراج الدين!
شكراً سراج الدين!
حدثني فقال: لي زميلٌ في نفس رتبتي اليوم (عميد)، صدر قرارٌ من عمله بنقله إلى منطقة أخرى، قال (زميلي هذا): فلما استقر بي المقام، واستأجرت سكناً لي ولأهلي، فكرت في عقد الصلات الاجتماعية، لكن بانتقاء شديد، ليس كأيام الشباب.. كنا نتهافت على الصداقات بغباء شديد، فلم نزل نفقدهم واحداً واحداً، حتى إذا تقدمت بنا الأيام تلفتنا حولنا فلم نجد منهم واحداً!. فكرتُ في صحبة أتخذها في هذه المنطقة التي لا أعرف فيها أحداً، وليس من العقل أن أرمي بنفسي على باب أحدٍ طالباً صحبته، فكرت وفكرت، فوجدتها كما وجدها نيوتن!.

خطر لي حارس العمارة، رجلٌ طيبٌ جداً (هندي الجنسية) اسمه (سراج الدين)، وكنت أراه يذهب كل يوم إلى المسجد، ويطيل الصلاة، راقبته أياماً كثيرة، وكنت إذا حمل لي أغراض البيت أعطيه بعض النقود فيرفضها، ويقول: أنا آخذ منكم راتباً كل شهر.
علمتُ أنه لن يكذبني إذا استنصحته، فليس له مصلحة في الكذب عليّ.
ذهبت إليه وكنت أرتدي بذلتي العسكرية المليئة بالنجوم، فلم يحفل بها كثيراً، فقلت له: يا سراج! هل تقدم لي خدمة؟!قال: نعم!.
قلت: أنت رجل طيب، وأنا رجل جديد على هذا الحي، وأريد أن أتعرف على أصدقاء مخلصين، فهل تساعدني؟! فضحك، وهزّ رأسه، ثم أمسك بيدي، وقال:
شوف! أنا هنا في الخليج منذ 18 سنة، وأنت رجلٌ صادق، وأنا جربت الناس هنا كثيراً، ونحن الهنود أو (رفيق) كما تقولون لا قيمة لنا عندكم! بل نحن مضرب المثل في الغباء عندكم!. لكن أنت رجلٌ صادق، لأنك اخترتني أنا ولم تختر فلاناً (ضابط كبير يسكن في نفس الحي علمتُ فيما بعد أنه مملوء كبراً وعجباً!) يا أخي إذا أردت الصحبة الطيبة فعليك بهؤلاء! اكتب عندك! فأخرجت ورقة وكتبت فيها كما أمرني! قال: أبو تركي..
قلت: أليس له اسم؟! قال: أنا لا أعرف أسماءكم إلاَّ هكذا.. قلت: أكمل! قال:أبو تركي، أبو سعد، أبو هشام، أبو عبد العزيز، أبو طارق، أبو ياسر..
قلت: وهل أبحث عنهم هكذا، أبو تركي، أبو سعد.. ؟! فضحك وقال: انظر! هل ترى تلك الخيمة؟! قلت: نعم! قال: لهم فيها جلسة كل يوم بعد المغرب، ولا يردّون زائراً!، فشددت على يد سراج وشكرته، وانصرفت!.
فلما كان من الغد، صليت المغرب جماعة معهم، ثم ذهبت إليهم في خيمتهم فاستقبلوني بحفاوة غير مصطنعة، وعرّفتهم بنفسي، وجدت مجلسهم طيباً جداً، يخلو من الكآبة والغيبة، والتصنع والتكلف. مكثنا على هذا الحال سنوات، وفي يومٍ جاء إلي سراج الدين، قال:
- أنا أودعك! قلت: إلى العمرة؟! قال: لا، إلى الهند..! قلت: إجازة؟! قال: نعم. لكنها مفتوحة.. إلى أن يأتي الموت! فحزنت والله عليه، قلت: متى السفر؟ قال: بعد أسبوع. قلت: إذن أعزمك بعد غدٍ للعشاء عندي في بيتي، وأرجو أن توافق. فابتسم ووافق!.
قلت لأصحابي في اليوم التالي: عندي (عزيمة) غداً. ولا أعذر أحداً منكم إن لم يحضر.
قالوا: خيراً إن شاء الله. قال قائل منهم: لمن العزيمة؟ قلت: لصديق لي قديم ستعرفونه غداً إن شاء الله.
في ليلة العزيمة تكامل حضور الأصحاب، ودخل سراج فجأة، يلبس ثوباً كثيابنا، فرحبتُ به، ورحب به أصحابي، وبعضهم كان يمازحه لما رآه يلبس الثوب! أجلسته في صدر المجلس، فرمقتني الأبصار! وكنتُ أقوم بصبِّ الشاي والقهوة لهم، على غير المعتاد، وسط اندهاشهم، وكأني أرى على رؤوسهم علامات الاستفهام!. تجرأ أحدهم وقال: أين ضيفك يا أبا أسامة؟! قلت: سيأتي بعد قليل!. فازداد تعجبهم!.
حضر العشاء، وجهزناه في (المقلَّط) الغرفة المجاورة، ودخلت على أصحابي وقلت: تفضلوا حياكم الله! قالوا جميعاً: الله يحييك! لكن أين الضيف؟! قلت: الضيف سراج الدين! سيسافر إلى بلاده (خروجاً نهائياً)، وهذا الرجل له فضل علينا جميعاً، ولولاه -بعد الله- لما عرفتكم ولا عرفتموني! هو الذي دلني عليكم واحداً واحداً، وهذه الورقة فيها أسماؤكم، وكتبتها بتاريخ 30-4-2007م، قبل سنوات، وسراج الدين رجلٌ صادقٌ لا ينافق ولا يداهن. قاموا للعشاء وهم في حالة حرج يبدو على وجوههم!. بعد العشاء أخرجت هدية ومبلغاً من المال في ظرف، وقدمتها لسراج الدين، قبلها مني بعد إلحاح!.
أما أصحابي فقالوا: جزاك الله خيراً، فقد أعطيتنا درساً أخلاقياً لن ننساه أبداً. ثم اتفقوا جميعاً على تقديم هدايا ومبالغ مالية لسراج الدين قبل سفره.
قال: لقد غيّر هذا الموقف من أخلاق أصحابي، بعدُ، فكنت أرى فيهم رقة في تعاملهم وتواضعاً، حتى إن زوجتي تخبرني عن تأثير هذا الموقف في أخلاق أهليهم في بيوتهم، كما حدثتني عن زوجاتهم في تغيّر طباع أزواجهن وتحسن أخلاقهم وظهور مبادرات منهم لم تكن قبل "عزيمة" سراج الدين!.

شكراً يا سراج الدين!.
التعليقات

بواسطة : عماد بن محمود

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015 05:31 م

الشكر موصول لك أيضا ،فأنت كذلك إتخذت الدين سراجا.

بواسطة : عماد بن محمود

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015 05:31 م

الشكر موصول لك أيضا ،فأنت كذلك إتخذت الدين سراجا.

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017