الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
05:08 م بتوقيت الدوحة

إعاقة ذهنية..!!

إعاقة ذهنية..!!
إعاقة ذهنية..!!
سمع أحد الجنرالات الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر، الفنان المصري الشهير عبده الحامولي في تلك المرحلة، وهو يغني «يامين يجيب لي حبيبي» فكان تعليقه عبقريا، عندما قال «نحن مستمرون في احتلال هذا البلد إلى ما شاء الله».

وفسر مقولته إذا كان هناك من يطلب المساعدة في جلب الحبيب، فهل سيكون قادرا على إخراجنا من هنا! القصة كوميديا سوداء، ولكنها تعبير حقيقي عن حالة مصرية قديمة، ليست وليدة اليوم، يشارك فيها النظام ويغذيها، ويقتات عليها، ويخلق منها شماعة يعلق عليها فشله. ومن ذلك نظرية المؤامرة الكونية على مصر، والتي زادت معدلات ترديدها على كافة المستويات، من النخب المثقفة حتى رجل الشارع العادي، أما النظام فيراقب انتشار الظاهرة وهو في قمة سعادته، لأنه أحال كل فشل يفشله إلى تلك المؤامرة، حتى أن أحد أذرعه الإعلامية، تحدث عن حكومة خفية تحكم العالم، وتسيطر عليه بالأزمات مثل الزلزال والبراكين، وتحول الأمر إلى إعاقة ذهنية لمن يتحدث بها، فالرائج في أدوات النظام الإعلامية والسياسية في هذه الفترة، أن العالم بأسره يتآمر على مصر، لا ينام قبل أن يراجع خطط التآمر، ويستيقظ ليس له من عمل سوى تلك المؤامرة، لماذا؟ ليس هناك إجابة، بل ترديد لأكاذيب، من دون أدلة أو وثائق. وكيف؟ تسمع ترهلات «لا تغني ولا تسمن من جوع»، تتغير أسماء الدول والجهات حسب الموقف، في المقدمة ومنذ 3 يوليو 2013 كانت قطر وتركيا، فقط لخلاف في رؤية ما حدث في ذلك اليوم، أو تبعاته فهما مسؤولان معا عن دعم الإرهاب في مصر، دون أي دليل واحد على ذلك الأمر، لم تسلم دول مثل أميركا أو دول أوروبية مهمة من التهمة، فقط لأن تقييمها للأوضاع في مصر على أكثر من صعيد، لا يروق للحكومة المصرية، رغم أن الشواهد تؤشر على عكس ذلك، فهناك تعاون اقتصادي، ودعم سياسي، وصفقات عسكرية، ولقاءات دبلوماسية، وبعضها على مستوى القمة.

ولعل الأسابيع الأخيرة خير شاهد على استفحال الظاهرة، التي تحولت إلى مرض يحتاج إلى علاج. في حادث الطائرة الروسية، نحن أمام مأساة إنسانية لمجموعة من السياح يزيد عددهم عن الـ224 شخصا، بدأ الحديث خافتا عن عمل إرهابي، قد يكون وراء سقوط الطائرة، وتعاملت جهات كثيرة باستخفاف مع إعلان تنظيم ولاية سيناء التابع لداعش مسؤوليته عن الحادث، ورجح الجميع أن يكون عطب في الطائرة، ومرت عدة أيام قبل أن تأتي المفاجأة من إنجلترا، والتي تصادف وجود زيارة مخططة مسبقا، ومنذ فترة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للعاصمة لندن، وقبل مدة وجيزة من اللقاء بين الرئيس المصري وديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، صدر بيان تم الإعلان فيه عن خطة بريطانيا لإجلاء السياح البريطانيين من مدينة شرم الشيخ، التي خرجت من مطارها الطائرة الروسية، ومنع تسيير رحلات إليها، وأعقبها دول أخرى مثل ألمانيا وهولندا وأيرلندا. كان الأمر في حقيقته مربكا، وأفسد كل الخطط التي عولت على تلك الزيارة، في دفع بريطانيا إلى تغيير مواقفها، من وجود قيادات إسلامية على أرضها، محسوبة على الإخوان المسلمين، فإذا بالقرار يؤثر على الزيارة، ويحول مسارها إلى أزمة، دفعت بعض الأذرع الإعلامية للنظام المصري إلى الادعاء بأن كاميرون من جماعة الإخوان المسلمين، وأن بريطانيا دولة إرهابية، وتدعم وتستضيف الإرهابيين، وقالوا إن تصرف كاميرون «جليطة سياسية» وكان أولى بالإنجليز بدلا من إحراج الرئاسة المصرية، التحفظ على القيام بالزيارة من الأصل، إذا كان هناك ما يستدعي من خلافات ببن البلدين، ولكن تصادف الزيارة مع حادث الطائرة، وتوافر معلومات لدى الإنجليز، ومسؤولية كاميرون عن رعاياه، هو ما دفع لندن إلى اتخاذ القرار في وجود الرئيس المصري.

وبدأت فكرة المؤامرة في تصدر المشهد، وقيل إن الحادث هو محاولة إفساد للعلاقات المتميزة بين القاهرة وروسيا، التي شهدت نموا غير مسبوق على الصعيد الاقتصادي، والدعم العسكري، وقيل أيضاً إن الهدف من العملية الانتقام من ممارسات الروس، وتدخلهم في الحرب الدائرة في سوريا، لصالح الإبقاء على نظام بشار الأسد، وقيل ثالثا إن العملية عقاب لمصر ولرئيسها عبدالفتاح السيسي، الذي أجهض المشروع الأميركي الغربي لتقسيم المنطقة العربية، وتثبيت حكم الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، بل تجاوز الإعلام المصري كل المنطق، عندما تحدث عن مواجهة بين بوتن وديفيد كاميرون، دفاعا عن مصر، وطلب منه عدم الحديث عن قضية الطائرة، وأسباب سقوطها، باعتبار أن الأمر يخص روسيا ومصر، هما المعنيان بالحادثة، وكانت المفاجأة التي أجهضت تلك الأكاذيب، الموقف الروسي الذي تجاوز موقف بريطانيا ودول عديدة، عندما أعلنت عن خطط لسرعة نقل سياحها من المنطقة، وزادت عليه أيضا، في منع رحلات الشركة الوطنية للطيران من الوصول إلى موسكو، ومع ذلك لم ييأس أصحاب نظرية المؤامرة، بل تعاملوا مع دخول روسيا الحلبة، على أنه تأكيد لفكرهم المريض، بأن العالم كله يتآمر على مصر، رغم صفقات السلاح التي عقدتها مصر مع روسيا، وأميركا وفرنسا وغيرها، ورغم الدعم السياسي الذي يلقاه النظام من عواصم القرار الدولي.

النظام المصري سعى إلى الجدل العقيم، عن طريق أذرعه الإعلامية، من قبيل أن واشنطن فشلت في منع أحداث 11 سبتمبر، ولم تكشف حتى الآن من قتل كيندي؟ وهو نفس الأمر بالنسبة لبريطانيا، التي عجزت عن معرفة حقيقة مقتل الأمير ة ديانا، دون أن يتوقف ليسأل نفسه، ما هي العلاقة بين تلك الأحداث وسقوط الطائرة الروسية. النظام المصري لجأ إلى فكرة المؤامرة هروبا، من استحقاقات وواجبات عليه القيام بها، في مقدمتها أنه من سمح بالفراغ المعلوماتي، فلم يقدم رواية مقنعة للعالم حول حادث الطائرة، على اعتبار أن حوادث الطائرات أمر وارد، سواء من خلال أخطاء فنية أو بشرية، أو حتى عمل إرهابي، وظل ينفي الاحتمال الأخير، رغم أن وحدة القرارات -بين دول تبدو متناقصة في مواقفها السياسية- في الإسراع بإجلاء سياحها من شرم الشيخ، تقول إنه توفر لها من المعلومات شبه اليقينية، التي تدفعها إلى حماية حياة مواطنيها، حتى باتخاذ إجراءات احترازية، وهو ما ثبت صدقه، بعد إعلان رئيس الأمن الفيدرالي الروسي، عن وجود قنبلة تم وضعها في الحقائب كانت وراء الحادث.

المؤامرة لدى الحكومة المصرية لا تقتصر على الخارج فقط، بل في قضايا محلية. يرتفع سعر الدولار، ويلجأ البنك المركزي إلى قرارات مؤلمة حول سعر صرف الجنيه المصري، ولأسباب اقتصادية بحتة، تحدث بها خبراء مصريون، منها ما يتعلق بانخفاض الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، وتراجع مداخيل قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، وتوقف مستوى الدعم الخليجي لمصر، ومع ذلك تدخل وزارة الداخلية المصرية على خط الأزمة وتشيع نظرية المؤامرة، هذه المرة من الإخوان، وتجد في أحد قياداتهم حسن مالك شماعة مناسبة لتعليق الأزمة عليها، وتتهمه مع 13 مكتب صرافة بالمسؤولية عنها، بل تدعي أنها ضبطت في منزل الرجل نصف مليار دولار، وكلها معلومات كاذبة، تدين الأجهزة الأمنية في مصر، فأموال الرجل تحت التحفظ منذ أشهر طويلة، ولا يستطيع التصرف بها، وهو مراقب «آناء الليل وأطراف النهار»، فكيف جمع كل ذلك المبلغ؟ والسؤال الأهم إذا كان رجل -مهما بلغت قدراته- ومعه عدة مكاتب صرافة وراء انهيار الاقتصاد في مصر، فنحن أمام «كشك لبيع السجائر»، وليس دولة عريقة. مسلسل المؤامرات لا ينتهي، تغرق مدينة الإسكندرية نتيجة سقوط أمطار غزيرة، فالشماعة الجاهزة، تآمر الإخوان، الذين قاموا بسد فتحات الصرف الصحي، وقد يكون الأمر صحيحا، وهو غير ذلك؟ فأين هي مسؤولية المحليات على تجهيزها قبل فصل الشتاء، وبعدها يتم تخصيص مليار جنيه مصري لعلاج الأزمة. في اعتراف صريح بأبعادها وأنها نتيجة قلة إمكانات تقاعس إدارة ولكنها أبداً ليست مؤامرة.

usama.agag@yahoo.com •

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.