الجمعة 13 شعبان / 19 أبريل 2019
01:50 م بتوقيت الدوحة

فيض الخاطر

غبار الأفكار

غبار الأفكار
غبار الأفكار
«سارة الدريس» اسم تداوله الكثيرُ من الأوساط الثقافية، وتناقلته الوسائط الإعلامية، وذلك بسبب أنها تناولت، أو علَّقت على ما تمتلئ به كتب الدين من موضوعات وعبارات وتعليقات تحتاج منَّا إعادة قراءة، وبالتالي إعادة صياغة الأحداث فيما سمَّته بـ»نفض الغبار» عن هذه الكتب، وتقديم ما احتوته هذه الكتب بطريقة لا تَخَلق أي نوع من التناقضات عند القُرَّاء.

طبعاً هذا الكلام أَحدَثَ الكثيرَ من الضجة، خاصة أن التغريدة كان فيها تطاولٌ صريح على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنها استدركت الهجومَ بدفاعٍ مُغلَّف بكل أنواع البراءة الفكرية، بأنها أحبت أن تلفت النظرَ أن هذه العبارات موجودة في البخاري ومسلم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن هشام.وبذلك هي مجرد إنسانة مفكرة تدعو إلى وجود نص جديد يُناسب أنصافَ المثقفين مثلها.

نعم، ولأول مرة أجدني أكتب بلهجة حادة، لأنني إذا لم أغضب من أجل الله ورسوله فلن أغضب من أجل أحد. فهل تكتبين متطاولة على رسول الله «قتل أباها وأخاها وزوجها وتزوَّجها»، ثم تشيرين إلى وجود هذه العبارات في صحيح البخاري ومسلم، وتضعين خطًّا باللون الأصفر على العبارات لتقولي إنها ليست عباراتي.

والله الذي لا إله إلا هو ما أساء للإسلام والمسلمين غيرُكم، وما أخرج الفرقَ الضالة إلا كتاباتُكم المبتورة، واستشهاداتكم التي تتصيد في الماء العكر، مبتعدة عن الرواية الحقيقية في أصلها، وفي طريقة سردها، وما لابسها من ظروف.

من تقصدين «قتل أباها وأخاها وزوجها؟» أنت تعنين رسول الله، محمدا عليه الصلاة والسلام في واقعة زواجه من السيدة صفية بنت حيي بن أخطب. هل تعلمين أنها أسيرة حرب لدحية الكلبي، وأسيرة الحرب عند كل الشعوب والديانات تعتبر من الغنائم!.

من الذي جرها إلى أن تكون أسيرة، أليست خيانة أهلها لرسول الله في معاهداتهم ورغبتهم في قتله، فكانت النتيجة محاربة رسول الله لهم، وأسر صفية، فلم يرض رسول الله بسبيها فاشتراها وأعتقها، وجعلها زوجة له، أي تشريف هذا، وكان يستطيع أن يذلها، ولكنها حفيدة هارون عليه السلام فأكرمهما.

أختي هذه الكتب لا تحتاج إلى إعادة صياغة، ولا إلى نفض الغبار من عليها، إنها تحتاج إلى قارئ استدعى كل ملكاته الفكرية معه أثناء القراءة. لا يجدر بك قراءة أي نص بعيدا الطريقة التي يجب أن يقرأ بها، ألا تدركين أن هذه الأحداث تحتاج منك إلماماً بالفقه والتاريخ وكثير من أنواع العلوم التي لا يتسع لها وقتك السامي، وقد أنهكتِ قواك العقلية في البحث عن هفوات في هذه النصوص.

عليك وأنت تقرئين هذه الكتب أن تستوعبي جيدا أن هذا ليس كتاب طبخ، ولا أتيليه للدراعة، هذه كتب تحتاج إلى أفئدة وعقول تعطي كل حرف فيها حقه من القراءة. وعليك أن تعلمي أيضًا أن هناك ظروفا استدعت الفعل، وهي تخص الحدث نفسه ولا تتعداه إلى غيره.

ولأضرب لك مثالا: كان ابن عباس يفتي بفتويين لرجلين أتيا له في نفس المجلس، وفي نفس الظروف.. جاءه رجل وسأله أللقاتل توبة؟ قال: لا. وجاءه آخر في نفس المجلس وسأله نفس السؤال: أللقاتل توبة؟ قال: نعم.
فتعجب الناس! فقال: ذاك جاءني وفي نيته القتل، فقلت لا حتى أقطع عليه الطريق. وهذا جاءني وقد قَتَل فلم أشأ أن أغلق عليه الباب.

هل كنتِ ستقولين إن ابن عباس متناقض، ولكنها درجة من العلم والفضل لا يصل إليها علمُك الذي التحف بغبار الكتب، أختي دعي قراءة هذه الكتب وتفسير نصوصها بغبارها لمن هم جديرون بقراءتها، ولا تنهكي إبداعاتك العقلية بدراسة هذه النصوص، ولا أناملك الذهبية بكتابة تغريدات عنها، حتى لا تصابي بزكام فكري من غبار النصوص.

وقفة:
ما نراه اليوم من تطاول بالكلمات والسب والقذف تجاوز كل الخطوط الحمراء، وكله بدعوى حرية الرأي لكل الذين يتجرؤون عليكم بقراءة كتاب الله لتتعلموا أن الخطاب والحديث له أدب.

هناك موضوعان في القرآن أشار فيهما إلى حادثتين عظيمتين بكلمة هذا فقط، حرصاً على غرس قيمة التأدب في تداول الحديث.
انظر إلى بلاغة القرآن الكريم (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)، وفي حادثة الإفك (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ).

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

إثر حادث أليم

12 نوفمبر 2015

قطري ليس من قطر

19 مارس 2015

القيادة الجهنمية

22 يناير 2015

فلسفة الموت والحياة

15 يناير 2015

الرقص مع الذئاب

08 يناير 2015

اعتزلنا يا.. دكتور

01 يناير 2015