الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
07:53 ص بتوقيت الدوحة

شقائق النعمان

رجولة عظيمة

رجولة عظيمة
رجولة عظيمة
لقيته مرة جالساً في المسجد حزيناً كئيباً، فوقفت على رأسه، فنظر إلى «ياسر» نظرة ملؤها الحزن، فقلت:
-مالك؟!
فاستدار، وزَفَر زفرة مخيفة، ظننت أنها خرجت معها بنار! ثم قال:
أنا منذ سنوات أعاني من عدم التفاهم بيني وبين زوجتي، وهي كذلك!.
-هل تمزح؟!
-لا والله، لا أقول إلا الصحيح.
- أكمل!
- طلقتها البارحة!
فاندهشتُ! وقلت: هكذا بكل بساطة؟! أنسيت العشرة؟!
قال: يا أخي لا تعجل، زوجتي والله إنسانة فاضلة نبيلة، وهي..
فقاطعته: وتطلقها رغم فضلها ونبلها؟ ما هذا الكلام؟!
قال: يا موسى! أنت الذي بدأت الكلام معي، فإمّا أن تستمع إلي، ولا أريد منك حلاً، أو تُغيّر الموضوع.
قلت: آسف، أكمل!
قال: ولأنها نبيلة وفاضلة فقد جلستُ معها البارحة جلسة مصارحة، بناء على رغبتها، ودار بيننا حوار طويل، ثم قالت لي بالحرف الواحد: «أنا أحترمك جداً، لكني لا أشعر تجاهك بحبٍّ، ولا أستطيع الاستمرار معك في هذه المعاناة، وأنت رجلٌ طيبٌ، ولا أريدُ أن أظلمك أو أظلم نفسي».
فقلت لها: فما الحل؟!
قالت: أن تطلقني وأنت عني راضٍ، ونتفق على كيفية زيارتك للبنات، هذا إن سمحت لي أن أقوم برعايتهن، والأمر لك. فدمعت عيناي، وأكبرتها جداً، وقد كنت أدعو الله تعالى أن ينير لنا الطريق الصحيح.
ثم طلقتها، وخرجت من البيت باكياً، أدور في الشوارع كالمجنون، فما هانت عليّ الذكريات الجميلة، وما هانت عليّ هي، ولا بناتي لكني أمام أمرين أحلاهما مرٌّ. وبعد قرابة ساعتين، رجعت للبيت وإذا بها قد حزمت حقائبها وجلست تنتظرني، فأعطيتها مبلغاً من المال، ثم أوصلتها إلى بيت أهلها، ومعها بناتي الصغار، فودعتني وهي تبكي. والآن أشعر بفراغ كبير جداً في حياتي، ولستُ أثق في أحدٍ أشكو له حالي إلا الله.
فحزنتُ لكلامه جداً. وقلت له: أقسم بالله سيعوضك الله خيراً، فأنت رجلٌ شهمٌ، وعظيم الأخلاق.
وفي الحقيقة فقد ذرفت عيناي، فاستأذنته وقمتُ، وأنا أدعو له كثيراً. ثم فرقت الأيام بيننا.
وبعد سنوات، رأيته صدفة، يركب سيارته في أحد الشوارع، فما كدتُ أصدق عينيّ، فصحت به من بعيد: ياسر! فلما وصل إلي صافحني بحرارة، وضمّني ضمةً أحسست بأضلاعي «تطقطق» منها! وكان طويلاً جسيماً!
قلت: ماذا صنع الله بك بعدي؟!
قال: كنتُ يوماً في المسجد، وإذ برجلٍ كبير السن، وقور، ذي لحية بيضاء، يرمقني من بعيد، ثم اقترب مني فإذا هو «أبو فلان».
فسألني: يا بني، منذ فترة طويلة وأنا أراقبك، وأراك تطيل الجلوس بعد الصلاة في المسجد وحدك! هل تعاني من ديون؟!
فضحكتُ وقلت: لا يا عم! لكني أمرُّ بظروف عائلية، وإن شاء الله ستفرج.
قال: هي سرٌّ؟!
قلت: عنك أنت؟ لا. ثم أخبرته بالقصة كلها، فتأثر جداً.
ثم قال لي: فلماذا لم تتزوج حتى الآن؟!
قلت: على يدك!
فأخذ بيدي وأقامني بقوة، وقال: قم معي، فقمت معه كالمسحور! حتى أدخلني بيته، وتركني في المجلس، ودخل وغاب عني قرابة ربع ساعة كأنها أربع ساعات! ثم عاد إلي وأنا غارق في العرق!
قال لي: «شوف يا ولدي.. الآن بتدخل علينا البنت، إن أعجبتك فهي زوجتك، وإلا فالحمد لله ما صار شي!».
فغصصتُ بريقي، وتسمّرتُ مكاني! فإذا بقطعة قمر تدخل علينا من الباب، لها ابتسامة خجولة، نظرها إلى الأرض.
دخلتْ البنت تحملُ شيئاً اكتشفتُ فيما بعد أنه القهوة! وانصرفتْ.
مسحتُ جبيني والتفتُّ لأبيها وقلت مداعباً:
موافق!
فضحك وقال: «جيب لي 5 آلاف ريال مهرها، ومأذون شرعي، وحياك الله بكرة، خذ زوجتك والله يبارك لك!».
قلت: يا عمي هذا قليل، وأنا أيضاً أحتاج إلى أن أجهز نفسي، وأشتري للبنت حاجاتها و»بعدين».
قال: ما يحتاج، أنت عندك بيت، وكل شيء ستجده جاهزاً غداً عندي إن شاء الله أنت تستاهل كل خير.
قال «ياسر»: فتزوجتها والآن عندي منها ولدان، وبناتي يعيشون معنا، ولا أزال على ذكرى طيبة بزوجتي الأولى، وأدعو لها دائماً.
قلت: هل تذكر أني قلت لك: إن الله سيعوضك خيراً؛ لأنك شهمٌ؟!.
قال: أتوقع أنك ستفضحني في مقالاتك، لكن «تكفي.. لا تذكر اسمي الصريح»!.
قلت: اطمئن!.

التعليقات

بواسطة : د.صالح الضلعان

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 05:24 ص

قصة مليئة بالعبر... اشكر الدكتور موسى على ايراد هذه القصة التي استفدت منها كثيراً... واتمنى منه الاستمرار في كتابة مثل هذه العبر ونشرها... وخاصة انه صاحب قلم قصصي ومؤثر

بواسطة : أم عبدالله

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 09:32 ص

فعلا من ترك شيء لوجه الله تعالى عوضه الله خيرا منه.

بواسطة : جاسم

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:00 م

والنعم بالله ، الله كريم دائما ، ويعوضنا بما هو اجمل ، وكلما كان الانسان ايمانه قوي ومطيع لله وملتزم في صلواته ، سوف يرضى الله عليه وييسر اموره ويعوضه كل ما دعى ربه ...

بواسطة : احمد ناصر ابوزور

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:04 م

القصه مآثره ولكن سبحانه الله ع كل شي يأخذ ويعطي والله ع كل شي قدير ،،، وشهأمه الرجل ع تصرفه الصحيح وتمسكه فالله في أموره ودعوته في السر ، ونستنتج أن خير الأمور يكتبها الله له وعلينا أن نتملك نفسنا وعقلنا في هذه الأمور وعلينا أن نتوصي في أهلنا خيرا. .قل لن يصيبنا إلا ماكتبه الله لنا

بواسطة : احلام العمري

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:04 م

نادر في هذا الوقت ان نجد رجلا مثل هذا الرجل فان الطلاق اصبح شيء عادي في المجتمع ولا يحدث الطلاق بهذا التفاهم الا نادرا جدا فلا يحدث الطلاق الا بمشاكل ومحاكم وكره

بواسطة : هنادي

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:08 م

القصة جميلة جدا ولكن هل موضوع طلاق بين شخصين يؤخد بهذه البساطة وخاصة أنه لديهم أطفال. وبما أن زوجته لا تحبه لماذا انتظرت حتى أنجبت أطفال وبعدها قالت له هذا الكلام. وهل هو لم يستطع أن يلاحظ بأن زوجته لا تحس تجاهه بأي مشاعر. ولكن في النهاية عوضه الله خيرا كما قلت.  

بواسطة : هنادي

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:12 م

القصة جميلة جدا ولكن هل موضوع طلاق بين شخصين يؤخد بهذه البساطة وخاصة أنه لديهم أطفال. بما أن زوجته لا تحبه لماذا انتظرت حتى أنجبت أطفال وبعدها قالت له هذا الكلام. وهل هو لم يستطع أن يلاحظ بأن زوجته لا تحس تجاهه بأي مشاعر. ولكن في النهاية عوضه الله خيرا كما قلت.  

بواسطة : مريم عبدالهادي

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:16 م

هذه القصة تبين لنا انه عندما نصبر يرزقنا الله بما هو أفضل لنا. وهذه القصة الواقعية أيضاً من النموذج القليل الذي يتناول مسألة الطلاق بطريقة حضارية وليست كمعركة مليئة بالكراهية تجاه بعض.

بواسطة : طالبتك

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:16 م

الى الامام دكتور ، مقال هادف و مميز ??

بواسطة : سناء صابر الاطفيحى..

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:17 م

أخلاق رجل ....فى زمن قل أو ندر به الرجال..الله يباركله فى ذريته يااارب ...

بواسطة : A-almarri

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:19 م

وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، عوضه الله بما هو أسعد له .

بواسطة : Um bader

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:22 م

سبحان الله ، الله يوفقه ويوفق كل مسلم وهذه القصة تذكرني بكلام الله ، وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم ..

بواسطة : Rouda alqassmi

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:26 م

مقال رائع جداً يبين معنى الرجوله التي اصبحت معدومه في هذا الوقت فقد اصبحت رجولة الرجل بثيابه و صراخه على زوجته فقط وليس بتقديرها واحترامها والعمل على راحتها

بواسطة : zeinab Alahmed

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:26 م

بتنا نفتقر لمثل هذه الاخلاق في مجتمعاتنا للاسف ونراها امراً مختلفاً يدعو للاستغراب والنشر ؛ بينما هي من صلب اخلاقنا وديننا بل حتى عاداتنا ، وكما قلت دكتور ؛ سيرزق الله باذنه كلُ من تحلى بهذا خلق وسلك هكذا طريق .

بواسطة : .

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:27 م

،

بواسطة : نور المحمود

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:28 م

يربط الزوج والزوجة ميثاقاً غليظاً، مبنياً على المودة والرحمة. ولن تستقيم الحياة الزوجة ولن ترفرف عليها أجنحة السعادة والاستقار إلا (أن يقيما حدود الله). كما أن الاحترام المتبادل والتقدير والثقة لكلا الطرفين يولد طاقة إيجابية وشعوراً جميلاً، يدفع إلى استمرار الزوجية بنجاح. وعلى الرغم من حالة الاستقرار الزوجي؛ إلا أنه قد تظهر على السطح بعض المشاكل والفقاعات الزوجية، التي لا تلبث إلا أن تتلاشى بعلاج صحيح، ولا تترك لتكون مشكلة ذات ملف مفتوح.. قد تسبب شرخاً إذا تراكمت في الحياة الزوجية. استمتعنا بقراءة القصة التي تحمل قيم تربوية واجتماعية ليست غريبة على ما عودنا عليه الدكتور موسى الزهراني.. أمتعنا الله ببقائه وحسه الأدبي المرهف.

بواسطة : سيف

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:30 م

في الحقيقة لا أجد عبارات أعلق بها على هذه القصة الجميلة لما فيها من عبر ودروس لتفسير قوله تعالى (امساك بمعروف أو تسريح باحسان ) نعم الرجل هو ونعم من أشار عليه ونعم الزوجة هي فاذا نظرنا في هذه القصة الجميلة سنجد تفسيرا ايضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من ترك شيئا لله ابدله الله خيرا منه ) وبالفعل وجد الرجل الزوجة الصالحة والاب الصالح الذي لم يطلب منه الكثير ونفذ فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اقلهن مهرا اكثرهن بركة ) اما تعليقي على الزوجة ام البنات هي بالفعل قد تكون محقه فيما طلبته من زوجها وهي حققت المراد بان لا تقيم حدود الله مع زوجها وتصرفها كان في غاية العقل واتخاذ القرار السليم ، اما الزوج فقد عالج تلك المشكله بان لجأ للجلوس في المسجد ولم يذهب الى مكان خبيث بدعوى انه فقد كل شئ وتملكه اليأس وبالفعل وجد الرجل المناسب للنصيحة والذي رأى فيه الخلق والدين ونفذ فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ) نعم الرجل الصالح ونعم الزوجة الصالحة الاولى والثانية ونعم الرجل الناصح ونعم الاب الصالح

بواسطة : حمدة

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:36 م

ياسر لقد حققت معنى الرجولة حين تركتها برغبة منها فهي الشهامة والمروءة في أجلى معانيها .. وفقكم الله ويسر اموركم في الدنيا والاخرة ..

بواسطة : نجلا المري 201401722

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:45 م

في هذه القصة اتصف ياسر بمواصفات نبيلة وشهمة من بينها ترك زوجته بناءاً على رغبتها وذلك كما اوصانا الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ( فأمسكوهنَّ بمعروف أو سرحوهنَّ بمعروف ولا تمسكوهنَّ ضراراً لِتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسهُ). كما ان الاعتكاف في المسجد والاقتراب من الله جعل في قلب ياسر الطمأنينة وبشره بالسعادة في الدنيا والاستقرار في حياته الزوجية.

بواسطة : وضحى201404475

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 08:49 م

للأسف في وقتنا هذا نادر نرى مثل هالتصرف العظيم , فعند طلاق الشخصين يبدأ احدهم بالتكلم وينسى العشرة الذي بينهم فكأن الطلاق أنهى اخلاقهم وعشرتهم , حتى ان العلاقه بين العائلتان تسوء هذا التصرفات غير محببه في ديننا ، ولكن يوجد الكثير من الاشخاص الذين يتطلقون يذكرون بعضهم بالخير وان لا يوجد نصيب بينهم هذا التصرف الذي نتمنى ان يكون سائد بيننا

اقرأ ايضا

ألفُ نابٍ!

31 مايو 2017

ماذا تعني؟!

24 مايو 2017

نفحاتٌ أندلسية

10 مايو 2017

سيوف الألحاظ

03 مايو 2017

من عجائب دنيا الناس

26 أبريل 2017