الخميس 20 ذو الحجة / 22 أغسطس 2019
09:16 م بتوقيت الدوحة

"جبهة وطنية" .. وليس مجرد "اصطفاف"

طارق الزمر

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015
"جبهة وطنية" .. وليس مجرد "اصطفاف"
"جبهة وطنية" .. وليس مجرد "اصطفاف"
ليس هناك شك أن الأزمة المصرية ليست بهذه السطحية التي تصوَّرها البعض بعد ثورة يناير مباشرة؛ حيث تصوروا في غمرة الفرح بالإطاحة بمبارك أنها آخر المشوار، برغم أنها كانت - في الحقيقة - بداية لمشوار طويل يسترد مصر وشعبها من قبضة الاستبداد العتيق والعميق والمتجذر في أرضها، فالاستبداد والفساد على أرضنا لم ينشأ بشكل عارض، إنما تكرس عبر قرون وتعقدت مظاهره على فترات وحقب زمنية طويلة وممتدة، كما تركز على أرضنا لدرجة أنك لو قلت إن الاستبداد ظاهرة مصرية لم تخطئ.

بل إن هذا الاستبداد قد تلبس بقدر كبير من الطغيان، وبلغ درجة لم يبلغها في مكان آخر، حين قال الفرعون: "ما علمْتُ لكم من إلهٍ غيري"، و"أنا ربكم الأعلى"، وهو ما لم يجرؤ عليه حاكم آخر في أي مكان آخر من العالم، وبالطبع كان لذلك انعكاسات واضحة على الشخصية المصرية بل والتربة المصرية التي تشبعت بالمركزية التي جعلت نهر النيل الذي يمسك به الفرعون مصدر الحياة الوحيد لشعب مصر.

ليت الأمر قد وقف عند هذا العمق؛ بل ساندته قوى دولية مهيمنة، اقتضت أن تمر مصالحها عبر الاستبداد، ولا تتصور حتى هذه اللحظة خطة بديلة حالة تحرر مصر من قبضة الاستبداد والفساد، بل إنها أسست علاقاتها كلها بالمنطقة على أساس مركزية الاستبداد المصري، وجاءت إسرائيل وكامب ديفيد لتشد على أيدي هذا الاستبداد وتشدد على توثيق روابطه بها، لتضمن نجاح مشروعها وتؤمن مستقبلها.

ظاهرة بهذا العمق وهذا التأثير لا يمكن تصور اقتلاعها في 18 يومًا ولا 18 عامًا؛ لأنها كانت تحتاج لبناء مشروع كامل مناهض للاستبداد والديكتاتورية ينطلق من ميدان التحرير، ويبنى على تجليات الـ18 يوما التي وضعت المسمار الحقيقي الأول في نعش الاستبداد، لكنها لم تضع بعد المسمار الأخير.

هذا المشروع لا يمكن تصوره دون توافق جوهري بين كل الأطراف الفاعلة في المجتمع والساحة السياسية المصرية، وهذا التوافق يجب أن يكون أساسه بناء "جبهة وطنية" تتعاقد على العمل معا على دفع الاستبداد واقتلاع كل جذوره، هذا التوافق يقوم ببناء خطة كاملة طويلة المدى لإقامة دولة العدل غير المؤدلجة التي تحقق الحرية للجميع دون إقصاء أو تهميش، هذا التوافق لا بد أن تضرب جذوره في عمق المجتمع المصري حتى يتصور أهم مشكلاته المتعلقة بالعدالة الاجتماعية التي لا يمكن تصورها في ظل بقاء نظم الاستبداد التي بنت شرعيتها على دماء شعبنا وجماجم أجدادنا.

وبالأحرى فإن هذا التوافق يحتاج إلى حوار متعمق بين كل الفرقاء على أرضية محايدة، تعيد الاعتبار للجميع وتفتح أفق الحوار بلا قيود، وتعيد الثقة التي عبثت بها يد الاستبداد ولا زالت، وتضع من الضمانات ما تضع طالما أن النوايا صادقة والجميع يسعى لهدف واحد، هو اقتلاع الديكتاتورية والظلم وإقامة دولة العدل والحرية.

والتوافق المطلوب هو التوافق الذي يجذب الجميع ويشجعهم ولا يستبعدهم أو ينفرهم، فليس بيننا عدو محتل نسعى لطرده خارج البلاد، ثم نستريح وليس بيننا خائن عميل سنعلق له المشانق ونرتاح من شره، بل الجميع وطنيون يسعون لخدمة هذا الوطن من خلال رؤية ذاتية، وأقصى ما يمكن تصوره هو الخلاف الأيديولوجي، وهو طفيف وسطحي إذا ما قورن بخلافات أخرى عميقة في بلدان أخرى كثيرة، وغاية ما يسميه بعضنا خيانة هو سعي البعض لمصالح ذاتية قصيرة النظر في ضوء فقدان الأمل في إصلاح الأوضاع وعموم العدل.

وعلى هذا ينبغي ألا يكون بيننا من يدعو لتعليق المشانق ويحرض على الدماء، وإلا فما الفارق بيننا وبين دولة الاستبداد التي استباحت كل شيء حتى الدماء؟ وأشهرت أعواد المشانق أمام أشرف من أنجبت مصر؟ ولا ينبغي أن يكون بيننا من يسعى للاستئثار بالحكم وإقصاء الآخرين، وإلا فما الفارق بيننا وبين من نسعى لإقصائه والإطاحة به وقد استبعد كل شيء وأقصى الجميع حتى حلفائه ومَن حملوه حتى القصر؟

وهكذا يصبح حديث الاصطفاف لغوًا بلا قيمة؛ فهو مجرد اصطفاف للمباني دون المعاني، ورص للصفوف دون الفصوص، فالتوافق يجب أن يكون على "مضمون جوهري"، يسعى إليه الجميع ويحمله الجميع ويدافع عنه الجميع، لأن "المشروع الجامع" وحده القادر على إنقاذ مصر من أزمتها، وهو وحده القادر على استيعاب الجميع، وهو القادر أيضا على استنفار كل الطاقات، بل تصحيح أوضاع ما خبث منها، وهكذا أدعو لأن ندع من يهاجم الاصطفاف يواصل مسيرته، بل ندعمه، فما سعينا يوما لاصطفاف شكلي وما كان غرضنا وقفة تكتيكية ينصرف بعدها كل إلى حال سبيله دون أن نقتلع جذور الظلم والطغيان من بلادنا.

هذا المشروع توجبه الشريعة كما يوجبه العقل والمنطق والسياسة والمروءة والكرامة، بل والرجولة والشهامة.
                       /أ.ع
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.