الأحد 16 ذو الحجة / 18 أغسطس 2019
12:35 م بتوقيت الدوحة

وانقلب السحر على الساحر

وانقلب السحر على الساحر
وانقلب السحر على الساحر
ما إن بدأت الأخبار تهطل علينا حول ما يحدث في باريس حتى بدأت الصفوف تتشكل في معركة ما بعد الخبر، كل فريق جهز عدته وبدأ القصف، فريق يقول الإرهاب مصدره التطرف الديني والجماعات الإسلامية والمناهج الشرعية، ولا بد من قمع التدين والمتدينين حتى تختفي الظاهرة، فريق يقول إن الإرهاب مصدره القمع والدكتاتورية ومصادرة الحريات ولا بد من قيام دولة العدل في العالم لتختفي الظاهرة، وفريق ينكر هذا كله وينظر للإرهاب والإرهابيين والضحايا على أنهم ممثلون في مسرحية استخباراتية غربية إسرائيلية ولا سبيل لإيقاف الظاهرة لأنها غير موجودة أصلاً، ردة الفعل هذه هي نفسها تقريباً كلما مد أحد التنظيمات الإرهابية يداً خارج حدود المنطقة، نفس الفرق ونفس الفرضيات، ويدور النقاش في حلقة مفرغة حتى تهدأ عاصفة الحدث، كل ذلك النقاش يدور حول فرضيات ونظريات تعرف الإرهاب على أنه النتيجة الطبيعية للتطرف، ورغم أن كل تلك الفرضيات قابلة للنقاش وربما تحتوي على شيء من الحقيقة هنا وهناك إلا أن هناك سؤالاً نغفل كثيراً عنه، هل التطرف فعلاً هو سبب الإرهاب؟

التطرف سواء الديني أو غيره ظاهرة إنسانية طبيعية، تظهر بمستويات وتجليات مختلفة حسب الظرف والزمان، التطرف بمعناه السياسي والديني موجود في الغرب والشرق على حد سواء، ويصل بأصحابه إلى العنف أحياناً، في الولايات المتحدة الميليشيات الجنوبية تحمل السلاح وتهدد بالانفصال وقام بعض أتباعها بأعمال إرهابية مثل تفجير تيموثي مكفي للمبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، في أوروبا اليمين المتطرف أنتج لنا أندريس بريفيك الذي انتهى يومه الدامي بمقتل 77 نرويجياً في إطار أجندته المتطرفة، التطرف في ميانمار أنتج فريقاً من الكهنة البوذيين الذين ساهموا في مجازر ضد أقلية الروهينجا المسلمة، التطرف كان وما زال وسيبقى سمة بشرية ترتفع حدتها مع الأزمات وتنخفض مع الاستقرار، ولكن ما حدث في باريس لم يكن نتيجة طبيعية للتطرف، التطرف وحده لا يصنع منظمات عالمية مجهزة وقادرة على تنفيذ عمليات بهذه الدقة، نحن اليوم نتحدث عن ظاهرة محددة وهي تنظيم عالمي مسلح بأجندة عالمية، هذا التنظيم ليس نتيجة حتمية للتطرف، وإلا لوجد مثله عشرات التنظيمات عالمياً، إذاً أين بدأت المشكلة؟

حتى نجيب على هذا السؤال لا بد من العودة إلى عالم ما قبل داعش والقاعدة، نعود إلى عالم لا يوجد فيه منظمات جهادية ولا جهاديون عالميون، نعود إلى حالة ما قبل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، في تلك الفترة لم يكن هناك إرهابيون إسلاميون ولكن كان هناك إرهاب يساري، دعم الاتحاد السوفييتي في حينها مختلف المكونات اليسارية العسكرية على مستوى العالم لخوض حروب أهلية وتنفيذ عمليات إرهابية تضعف العالم الرأسمالي، وحققت هذه التنظيمات نجاحاً باهراً في أميركا الجنوبية وفي النضال الفلسطيني وفي جنوب شرق آسيا، ومع احتدام المعركة في أفغانستان وجد الأميركيون فرصتهم في تمويل فريق مشابه لتلك التنظيمات اليسارية من خلال المجاهدين الأفغان، فنزلت عناصر السي آي إي الأميركية الأرض الأفغانية ودفعت الحكومة الأميركية بحلفائها في المنطقة لدعم الجهاد الأفغاني حتى تحقق المطلوب وهزم الاتحاد السوفييتي هزيمة يرى الكثيرون أنها كانت بداية نهاية الاتحاد، فور أن انتهت المعركة تركت الولايات المتحدة أفغانستان لمصير مأساوي في أتون حرب أهلية طاحنة وغاب الدعم من الحلفاء واستمرت الحرب حتى وصول طالبان إلى السلطة، حينها أجمعت الحكومات الغربية على محاربة هذا الكيان الناشئ وبدأ التحذير من نشوء دول دينية إسلامية، هنا بدأت قصة الجهاد العالمي، العناصر التي تدرب الكثيرون منهم على يد المخابرات الأميركية وجدوا أنفسهم في مواجهة وصراع بقاء مع العدو الأميركي، وبعد مجموعة من العمليات الإرهابية هنا وهناك حدثت أحداث سبتمبر، وكانت الاستجابة احتلال أفغانستان والعراق، هنا توفر للقاعدة وفكر الجهاد العالمي أمران مهمان، شرعية لدعوتهم، وفوضى إقليمية تسهل الانتقال والنمو، العراق تحول إلى قاعدة الجهاد الجديدة وكان الفشل الأميركي هناك دافعاً لنمو أكبر، ولم تتوان أجهزة الاستخبارات العالمية في استغلال هذه الحركات الجهادية في تنفيذ أجنداتها، وهذا التنظيم الذي أمضى سنوات في العمل مع الاستخبارات الأميركية والباكستانية والإيرانية كان قادراً على صناعة التحالفات المصلحية وتطويعها فتحول التنظيم من شبكة دولية إلى قاعدة مركزية قوية.

الحرب في سوريا كانت أهم محطات الجهاد العالمي الذي اتخذ من تنظيم الدولة الإٍسلامية راية له، كانت السياسة الغربية في سوريا كفيلة بحماية النظام من سقوط محقق أكثر من مرة وسمح ذلك لداعش في التمدد في فراغ الفوضى السورية حتى تحول التنظيم إلى دولة مكتملة الأركان تقريباً، وهنا أيضاً نجح التنظيم في توظيف الأجندات الخارجية لصالحه من خلال التحالف مع النظام في ضرب الثوار مما حماه من الروس والإيرانيين، واليوم بغض النظر عن الأسباب وموقع الحادث في الأجندات العالمية يصل تنظيم الدولة إلى العاصمة الفرنسية ويهدد بالمزيد من الهجمات وهو في الحقيقة ومن خلال مكتسباته التي حققها عبر سلسلة من الإخفاقات الغربية قادر على ذلك فهو اليوم أقوى من القاعدة وأكثر جاهزية منها ويمتلك شبكة من التحالفات والمصالح تمكنه من «غزوات» عبر العالم.

السبب الأساسي في نشوء وازدهار داعش ليس الفكر أو القمع أو المؤامرة فرغم أن تلك الأسباب وفرت أداة تسويقية لهذا التنظيم إلا أن السبب الرئيسي هو عنجهية غربية لحكومات وأجهزة استخبارات كانت تعتقد أنها تستطيع أن تعبث بالعالم أجمع وأن تدعم الفوضى هنا وتمنعها هناك، هذه الأعمال الغبية سينتج عنها كارثة للغرب أكثر مما حدث في باريس وقبلها في لندن وقبلها في نيويورك، الغرب فقد السيطرة وسيدفع الثمن غالياً إذا استمرت هذه السياسات المتكبرة، الشعوب الغربية في حاجة إلى أن تفهم أن سياسات حكوماتها حول العالم كانت سبباً مباشراً في هذه الهجمات، ولا أعني هنا أن هذه الهجمات ردة فعل لتلك السياسات، أعني أن هذه التنظيمات ما كانت لتنشأ لولا دعم الغرب لها بشكل مباشر وغير مباشر، الغرب صنع القاعدة عبر سياسة فاشلة في أفغانستان، وصنع داعش عبر سياسة فاشلة في العراق وسوريا، واليوم بضاعته إليه تعود، والهزيمة النفسية التي تقود البعض إلى الحديث عن أن الغرب يرسم لداعش خط سيرها وهم كبير، الغرب فقد السيطرة، وطالما هنالك عراق طائفي وجحيم سوري وفوضى أفغانية فسيبقى هناك قاعدة وداعش، الغرب سلم المنطقة لداعش على طبق من ذهب حين احتل العراق وأفغانستان ورفض الحسم في سوريا، والسحر سينقلب حتماً على الساحر.

• majedalansari@hotmail.com
@majedalansari

التعليقات

بواسطة : ام مجاهد

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015 02:47 م

سلمت يمينك

اقرأ ايضا