السبت 18 ربيع الأول / 16 نوفمبر 2019
03:57 ص بتوقيت الدوحة

قنبلة على متن الطائرة.. «داعش» يدشن مرحلة جديدة

قنبلة على متن الطائرة.. «داعش» يدشن مرحلة جديدة
قنبلة على متن الطائرة.. «داعش» يدشن مرحلة جديدة
إجراءات الأمن شديدة، ليس فقط في المطار بل في كل شرم الشيخ، ومع ذلك حصل اختراق، لأنه لا يتطلب أساساً أكثر من شخص واحد في المكان، ولا يُتوقَّع منه عملٌ معقد خارج حدود عمله الاعتيادي.

بعد سقوط الطائرة الروسية فوق شمال سيناء، استعاد العالم مخاوفه على أمن الملاحة الجوية وسلامتها. ليس سهلاً تأمين تعايش سلمي سلس في شبه جزيرة سيناء بين تنظيمات متطرفة تخوض حرباً شعواء على قوات الجيش والشرطة، وبين منتجعات سياحية تعمل بطاقة شبه كاملة طوال شهور السنة. ورغم أن الجغرافية تعزل شرم الشيخ وتساعد على إبقائها مؤمنة ومضمونة، كان لا بد للحال المأزومة في الداخل المصري وامتداداتها السينائية المضطربة أن تنعكس على المدينة بشكل أو بآخر.

ولعل مجرد وصول القنبلة إلى الطائرة شكّل مؤشراً إلى بداية مرحلة جديدة في المواجهة مع الإرهاب.

جندت مصر وروسيا لجاناً للتحقيق بكل جوانبه، التقنية والأمنية، انطلاقاً من أن الاحتمالات كافة غير مستبعدة، لكن مع ترجيح أولي بأن تكون مئتان وأربع وعشرون ضحية قضت نتيجة خلل تقني طارئ في الطائرة، أو خطأ من قائدها، ولذلك جرى تجاهل الرواية التي قدمها تنظيم «ولاية سيناء»، فرع «الدولة الإسلامية» المعروف بـ «داعش»، وادعى فيها أنه وراء هذه الكارثة الإنسانية، ملمحاً إلى أن الطائرة استهدفت لأنها روسية، ما يشير تلقائياً إلى التدخل الروسي في سوريا.

أما لماذا أُقصيت هذه الرواية فلأن الخبراء جزموا بأن تنظيم «داعش» لا يملك صواريخ أو وسائل عسكرية أخرى قادرة على إصابة طائرة وهي على ارتفاع عشرة آلاف متر. ويبدو أن الظن مال أولاً إلى أن الطائرة ربما تعرضت لضربة خارجية، في مقارنة مع ظروف حادث سقوط الطائرة الماليزية فوق منطقة أوبلاست دونيتسك شرقي أوكرانيا في 17 يوليو 2014 ورجح يومها أنها أصيبت بصاروخ أطلقه الانفصاليون الأوكرانيون الموالون لروسيا، لكن موسكو وأنصارها واصلوا نفي ذلك بشدة حتى بعد ظهور نتائج تحقيق رسمي.

وبالمناسبة تذكر كثيرون أيضاً حادث الطائرة المدنية الإيرانية في يوليو 1988 التي أسقطتها القوات الأميركية في مياه الخليج بسبب ما قيل إن التباسا حصل في التعرف إلى هويتها.

في غضون أيام قليلة راحت فرضية الخلل التقني تضعف وتتراجع، وفقاً لمصادر شركة شركة «كوغاليمافيا» المالكة للطائرة المنكوبة، وحتى وفقاً للمحققين الذين اطلعوا على التقارير، إذ يستحيل أن تنشطر طائرة من طراز إيرباص في الجو «بسبب خلل تقني أو خطأ من الطيار».

إذن، فالمرجح أن يكون السبب حدثاً ما حصل على متنها، ولدى مراجعة لوائح المسافرين وجميعهم من السياح الروس الذين جاؤوا معاً في رحلة منظمة وكانوا عائدين معاً.

ولدى تحليل صور الأقمار الصناعية الأميركية ظهر وميض حراري رجح أن يكون انفجاراً، وأُبلغت موسكو والقاهرة بهذه الفرضية فرفضتاها وتمسكتا بانتظار نتيجة التحقيق الذي تجريانه. واختار تنظيم «ولاية سيناء» هذه اللحظة ليبث شريطاً يعيد فيه تأكيد مسؤوليته عن العملية، مشيراً إلى أن أي تحقيق لن يتمكن من تحديد ظروف التفجير. لكن هذه المعطيات ضاعفت قلق الحكومة البريطانية، بسبب وجود أعداد كبيرة من السياح البريطانيين في شرم الشيخ، فلم تتوقف عند ضرورات «المجاملة» الدبلوماسية زائرها الرئيس المصري بل فاجأته بتصريح لوزير خارجيتها يتبنى فيه التسريبات الأميركية ويعلن وقف الرحلات الجوية، بل ذهبت أبعد عندما طلب ديفيد كاميرون من عبدالفتاح السيسي ضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية في مطار شرم الشيخ، ذاك أن شيئاً مشابهاً لـ «سيناريو لوكربي» (نسف طائرة «بان أميركان» وهي في الجو، 21 ديسمبر 1988) هو ما يبدو أن الطائرة الروسية تعرضت له، أي أن عبوة ناسفة ربما وُضعت في حقيبة أو بين الحقائب، والمرجح أن يكون أحد العاملين هو من تولى دسها.

وأضيف أيضاً أن تقاطع معلومات ملتقطة من اتصالات هاتفية دعمت هذه الفرضية.

كان واضحاً أن السلطات الروسية والمصرية حاولت حتى اللحظة الأخيرة التقليل من «الرواية الأميركية» التي ما لبث أن تبرع باراك أوباما بتأكيدها. لكن وجود تهديد أمني يعرض حياة الناس للخطر، وقابل للتكرار بأساليب مختلفة، لا يمكن التكتم عليه، أياً تكن الدوافع. فالواقع سيفرض نفسه في النهاية.

بالطبع، ليس سهلاً على موسكو أن تعترف بأن تنظيم «داعش» اخترق دورها السوري، وأن يكون ضحايا الطائرة أولى خسائرها البشرية في هذه المغامرة. فهذا يرتب مواجهة مع الرأي العام الداخلي الحساس جداً حيال التورط في «أفغانستان ثانية»، وهو لم يتقبل مسألة التدخل إلا بعدما أكد الكرملين أنها ستكون محدودة زمنياً، لكنه استنتج منذ الأسبوع الثاني أن فترة الثلاثة أو الأربعة شهور التي تعهدها ليست واقعية. لذلك جاء حادث الطائرة في توقيت بالغ الدقة، إذ يتنافس التعثر العسكري على الأرض مع التعثر السياسي كما بدا في لقاء فيينا.

أما بالنسبة إلى مصر فقد غطى الحادث على زيارة السيسي للندن، إذ اضطر الأخير لمواجهة حقيقة الكارثة التي وقعت للتو، فهي تشكل ضربة قاسية للسياحة المصري، بل تعني أن شرم الشيخ إحدى أهم واحات هذه السياحة ستشهد أول أزمة كساد منذ إنشائها.

والأهم أن تنظيم «ولاية سيناء» تمكن من التعرض للاقتصاد المصري الذي جعله الحكم الحالي محوراً رئيسياً لعمله.

ورغم خطورة ما حصل، سواء بالضحايا التي سقطت أو بالتحدي الأمني الذي يطرحه، إلا أن احتمال توسيع رقعة «الحرب على الإرهاب» لتشمل سيناء وليبيا يظل خياراً غير محبذ من جانب الدول الكبرى.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.