الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
07:25 م بتوقيت الدوحة

فرصة جديدة من أجل اليونان

فرصة جديدة من أجل اليونان
فرصة جديدة من أجل اليونان
في العشرين من سبتمبر، سوف يذهب الناخبون اليونانيون إلى صناديق الاقتراع -مرة أخرى- في انتخابات مبكرة دعا إليها رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس. ولم تكن هذه الدعوة مفاجئة: ذلك أن ما يقرب من ثلث زملاء تسيبراس في حزب سيريزا اليساري رفضوا إقرار عملية الإنقاذ التي تفاوض عليها مع دائني البلاد. وفي التصويت البرلماني على الاتفاق في الشهر الماضي، اضطر تسيبراس الذي يشغل منصبه منذ يناير إلى الاعتماد على الدعم من جانب المعارضة.
هل كان إذن شعور المجتمع الدولي بالارتياح بعد أحدث عملية إنقاذ مالي -أموال إضافية من دائني اليونان في مقابل الإصلاحات البنيوية- سابقاً لأوانه؟ وهل تستمر اليونان، رجل أوروبا المريض في القرن الحادي والعشرين، في رفض الإصلاح؟
القضية الأساسية هنا هي ما إذا كان الاتحاد النقدي في أوروبا في احتياج إلى قدر أعظم من التكامل حتى يتمكن من إدارة أزمة مثل الأزمة اليونانية، أو كان قادراً على الحفاظ على النهج الحالي، الذي تأسس على المسؤولية الوطنية وفرض العقوبات على أولئك الذين يخالفون القواعد. وقد اقترح وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله أن هذه العقوبات لا بد أن تشمل الطرد من منطقة اليورو، وهو ما لم يكن متصوراً قط في معاهدة ماستريخت للاتحاد الأوروبي في عام 1992.
وبالطبع، لم يكن من المتصور قط أن تواجه اليونان الصدمة الاقتصادية الحالية. لا شك أن أداء البلاد الاقتصادي بعد صدمة النفط في أوائل سبعينيات القرن العشرين كان هزيلا، فاتسم بتباطؤ النمو، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، والعجز المالي الضخم، وتراكم الديون، وانخفاض قيمة العملة، وعدم كفاية البنية الأساسية. وحتى منتصف التسعينيات، كان افتقار الحكومة إلى الانضباط في مجال الاقتصاد الكلي وميلها إلى الخضوع للمطالب الشعبوية والمصالح الخاصة مسؤولاً عن قدر كبير من ضعف البلاد اقتصاديا. ولكن دخول الاتحاد الاقتصادي والنقدي في أوروبا كان المقصود منه أن يستحث النظام السياسي على ملاحقة أهداف أطول أمداً مثل نمو الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية.
في مستهل الأمر، كانت الأحداث مواتية للخطة. وخلال فترة انضمام اليونان إلى منطقة اليورو، من عام 1994 إلى عام 2001، كان اقتصادها مستقرا. فسجل التضخم والعجز هبوطاً سريعا، واكتسبت الشركات والمستهلكون المزيد من الثقة، وانتعش الاستثمار، وأنشأت الحكومة حزمة طموحة من الإصلاحات الليبرالية. كما قفز نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي من %1.6 بالسالب في عام 1993 إلى أكثر من %4 في عام 1997، وظل حول هذا المستوى حتى عام 2007.
ولعل الثقة الزائدة بالنفس كانت مفهومة، ولكن كما يعرف كل تلميذ مدرسة يوناني فإن الغطرسة تقود إلى التنازع والخصومة. فقد خلق الاقتراض المفرط فقاعة الائتمان التي انفجرت عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008، والتي أدت إلى الكارثة الاجتماعية والاقتصادية الحالية.
هناك رأي دارج مفاده أن اليونان لم تف بمعايير الانضمام إلى منطقة اليورو، وبالتالي فقد زورت الإحصاءات من أجل تأمين العضوية. وهذا محضر هراء، لأن عجز ميزانية اليونان في عام 1999 -وهو العام الذي شهد تقييم طلبها- تبين بعد عدة سنوات في واقع الأمر أنه كان يتجاوز بشكل طفيف السقف الذي حددته معاهدة ماستريخت بنسبة %3 من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا الحساب كان نتيجة لمراجعة إحصائية ذات دوافع سياسية، والتي أطلقتها الحكومة التي فازت بالانتخابات في عام 2004. وكان المقصود من هذه الحيلة السياسية تغيير الأساليب المحاسبية لنفقات الدفاع بأثر رجعي. وكانت اليونان تتبع الممارسة المعتادة في تسجيل النفقات عندما يتم تسليم المشتريات العسكرية فعليا. ولكن كان من الممكن أيضاً استخدام أسلوب محاسبي بديل، بتسجيل النفقات عندما تتم المدفوعات بالفعل، وفقاً لجداول مقدمة. وكان اختيار هذا البديل يعني تحويل مبالغ هائلة من الإنفاق من تاريخ التسليم المتوقع إلى الوقت حيث تم تقديم الطلبات. وكانت النتيجة الحسابية الواضحة لتصبح تضخيم العجز السابق، بما في ذلك لعام 1999.
وبتنحية نقاط الضعف الحسابية جانبا، فإن الخطأ الحقيقي الذي ارتكبته اليونان كان بمجرد أن أصبحت العضو الثاني عشر في منطقة اليورو في الأول من يناير 2001 نسيان حتمية تحديث الدولة من خلال التحرير والخصخصة، فبدلاً من ذلك، عادت إلى أساليبها القديمة السيئة. وكانت الغَلَبة للمصالح الخاصة: مجموعات الأعمال التي حاولت الاستيلاء على أسواق بعينها، وعمال القطاع العام الذين حاربوا للحفاظ على امتيازاتهم. وأصبح التهرب الضريبي منتشراً على نطاق هائل، وباتت دولة الرفاهة تتسم بالإهدار الشديد للموارد. باختصار، كانت أساليب الحكم الرديئة والمؤسسات الضعيفة مسؤولة عن انهيار الدين في عام 2010.
لقد فشلت برامج الإنقاذ السابقة لأنها كانت تستلزم تدابير التقشف المفرطة. ولم يكن هناك أي تحرك موازن لزيادة الطلب من خلال التمويل العام للاستثمار في البنية الأساسية، ولم تكن الإصلاحات المحلية كافية؛ ولم يقدم الدائنون أي خطة حقيقية لإعادة هيكلة الدين أو التخفيف من أعبائه. لماذا إذن يجب أن ينجح الاتفاق الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي؟ سوف يلاحظ المتفائلون أن الوضع المالي الأساسي في اليونان أصبح أكثر صحة. وعلاوة على ذلك، يجري النظر الآن في تخفيف أعباء الدين، كما أصبح اليورو وأسعار النفط أضعف، وهو أمر مفيد، وبرغم التباطؤ الاقتصادي في الصين، فإن التطورات الاقتصادية الدولية تظل مواتية إلى حد كبير.
ومن ناحية أخرى، أصبح المجتمع اليوناني منهكاً بفِعل التضحيات الضخمة التي أرغم على قبولها. فقد أصبحت الخدمة المدنية ضعيفة ومحبطة بعد تخفيضات الأجور المؤلمة. وكان النظام السياسي متوتراً بسبب صعود قوى شعبوية ومتطرفة من اليسار واليمين على حد سواء، والآن كما تبرز الانتخابات المقبلة، هناك أيضاً خطر تجدد عدم الاستقرار الحكومي.
إن مشاكل اليونان ليست جديدة. فقد شهدت بلدان أخرى فترات عصيبة ثم تعافت (وتُعَد ألمانيا، الدائن الأول لبلادنا، مثالاً جيدا). إذ يوفر موقع اليونان، فضلاً عن مواطن القوة القائمة مثل السياحة، والشحن، وموارد الطاقة المتجددة، ومجموعة من العلماء في الداخل والخارج، إمكانية حقيقية لتحقيق النمو في البلاد. ولكن تحقيق هذه الإمكانية يتطلب الاستقرار والإصلاح الحقيقي.
وهذا يعني أن أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط في اليونان لابد أن تتعلم بعد الانتخابات (التي من غير المرجح أن تفرز قوة سياسية واحدة قادرة على الاضطلاع بهذه المهمة) كيف تتعاون في سبيل الحكم الفعّال. أما الانتقال من أزمة إلى أخرى فمن شأنه أن يخرب الاقتصاد لعقود مقبلة، وسوف يستنفد هذا صبر حتى أكثر شركاء اليونان تعاطفاً معها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.