الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
08:01 ص بتوقيت الدوحة

الركض نحو السراب

الركض نحو السراب
الركض نحو السراب
إن الركض نحو السراب عبر عنه أبي الحسن البصري بقوله: «إن قوماً خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنات من كثرة ما ألهتم أماني المغفرة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي عز وجل، فلا أبالي أكثر العمل أم قل، وهو كاذب في ذلك، إذ لو كان أحسن الظن بربه حقيقة لأحسن العمل، قال تعالى: «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ».
هناك فرق كبير بين الرجاء والتمني، لأن عادة التمني يكون مقروناً بالكسل، وأي شخص تراه كثير التمني تجده ضل طريق العمل والجد والاجتهاد، عكس الرجاء والذي يكون دائماً بالمثابرة والجهد والتوكل على الله تعالى.
يقول يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب، مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله بغير طاعته، وطلب زرع الجنة ودار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل.
إن أردت الحياة الآخرة وما عند الله فبادر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر، ألم تر أن العلم والرفعة لا يحصلان إلا بالجد والاجتهاد؟ ألم تر أن المال غالباً لا يجمع إلا بالتعب والعمل؟ ألم تر أن اسم الجواد لا يناله البخيل؟
ألم تر أن هناك أناساً منا ومعنا يعيشون بأجسادهم في الدنيا لكن قلوبهم متعلقة وتحلق وتنظر للآخرة؟ يرجون رحمة الله تعالى ويخشون عذابه، وجزاؤهم يكون من لحظة الموت فيفيض الله عليهم من نوره ويبيض وجوههم، فسبحان من تفضل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومنحها هذه الفضائل التي لا تحصى، فما هو عذرنا؟
وإن أحدنا ليعمل بالذنب فلا يزال ذنبه نصب عينيه مشفقاً منه خائفاً مستحيياً من ربه منكسراً قلبه فيكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.
أما الذي يصر على المعاصي وقد يفاخر بها، ولديه في كل واد مشاركة في معصية، تنتهي فيفكر ويخطط ويبحث عن غيرها، والمعاصي التي عملها ماثلة أمامه فيكثر أنينه وحزنه على قصة حزينة لمسلسل، أو أغنية كلماتها خبيثة المجاز والعبارات، وتجده معجباً بعمله، فتذرف عيناه لفراق حبيبته، أو لضياع درجته في العمل، أو لخسارته أسهما مشبوهة في حلها وحرمتها، فما أبعد هذا العاصي من طاعة يهتدي بها عليه.
وقد ترى مؤمناً يعجل الله له عقوبته في الدنيا، وهي من علامات حب الله تعالى له، سواء كان بمرض أو فقر أو دين أو سجن ظلماً، وغيره، وهو بكل تأكيد رحمة لهذا العبد المؤمن، وأهون بلا شك من عقاب الآخرة، والذي لا يعلم شدته وهوله إلا الله تعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة» فهنيئاً للفقراء، وهنيئاً لأصحاب الأمراض المزمنة، وهنيئاً لأصحاب الابتلاءات والمظلومين إن هم أطاعوا الله تعالى واحتسبوا ما هم فيه وحمدوا الله تعالى عليه.
لذلك فإن أهل الإيمان واليقظة لا يتلذذون بالمعصية، كما يتلذذ بها العاصي السكران في غفلته وذنوبه.
وهذا الحسن البصري -رحمه الله- عندما أعطي شربة ماء بارد، فلما أخذ القدح غشي عليه وسقط من يده، فلما آفاق قيل له: ما ذلك يا أبا سعيد؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار حين قالوا لأهل الجنة: «أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ».
جاء رجل إلى أبي الدرداء في مرض الموت، فقال: يا أبا الدرداء إنك قد أصبحت على جناح فراق الدنيا، فمرني بأمر ينفعني الله به، فقال أبو الدرداء: أين أنت من يوم ليس لك من الأرض غير عرض ذراعين في طول أربعة أذرع، أقبل بك أهلك الذين كانوا لا يحبون فراقك وإخوانك فأتقنوا عليك البنيان، ثم أكثروا عليك التراب، ثم تركوك، ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان، أسماؤهما منكر ونكير، فأجلساك، ثم سألاك: من أنت؟ أم على ماذا كنت؟ أم ماذا تقول في هذا الرجل؟ فإن أجبت حسب ما كنت تعمل في الدنيا فقد والله نجوت وهديت، وإن لعثم لسانك وضاعت حساباتك فلا تلومن إلا نفسك. لهذا حين سئل الإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

قصة وطن

17 ديسمبر 2015

من فينا الحرامي

18 نوفمبر 2015