الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
02:48 م بتوقيت الدوحة

غزة والحصار الثقافي

غزة والحصار الثقافي
غزة والحصار الثقافي
إن الحصار الصهيوني لقطاع غزة أصعب مما يبدو عليه؛ فالقضية ليست مجرد إغلاق للمعابر ومنع مواد البناء. وليست فقط في نقص الأدوية والمعدات الطبية. وليست محصورة في انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والغاز. فالحصار يمكن أن يكون أيضا «بالكتب».
قامت إحدى دور النشر الأميركية بطباعة كتاب «غزة تقاوم بالكتابة» بالإنجليزية «Gaza writes back» الذي حرره أحد أصدقائي. يحتوي الكتاب على 21 قصة قصيرة (بعدد أيام حرب 2008) كتبها شباب غزيون باللغة الإنجليزية لإيصال معاناتهم وآمالهم وأحلامهم. أقيم للكتاب عدة حفلات توقيع في أكثر من بلد ووصل الكتاب لعدة مدن وشارك في عدة معارض وتم عرضه للبيع في عدة منصات إلكترونية، لكن المدينة التي أنتجت الكتاب لم تستطع أن تحصل على أي من ذلك. منذ عام وأنا أحاول مع صديقي صاحب الكتاب إيجاد طريقة لإدخال الكتاب أو طباعته في غزة كي نقيم حفل توقيع له، لكن كل محاولاتنا فشلت؛ إذ كيف نقيم حفل توقيع لكتاب دون أن يكون الكتاب بين أيدينا؟ دار النشر وجدت صعوبة كبيرة في إيصاله إلى غزة. حاولنا طباعته هنا لكن تكلفة الطباعة كانت باهظة بسبب غلاء الورق وانقطاع بعض المواد اللازمة. فكرنا بتهريبه عبر الأنفاق لكن الأمر كان أصعب مما تصورنا. طوال تلك الفترة وأنا أفكر بأن حصار قطاع غزة لم يكن مجرد حصار اقتصادي أو صحي وإنما كان حصارا خبيثا شمل كل مناحي الحياة وعلى رأسها الحصار الثقافي.
صديق آخر يسعى منذ سنوات ليشارك في معارض فنية خارجية، وعندما أتيحت الفرصة وجاءه عرض للمشاركة في أحد المعارض الفنية في باريس قرر أن يشارك بأجمل لوحاته، لكنه وبسبب الحصار لم يستطع أن يشارك في هذا المعرض الذي حلم به لسنين طويلة. وقد اضطر بعد محاولات مستميتة أن يرسل لوحة واحدة لتقف يتيمة في باريس دون صاحبها المحاصر في غزة.
لم تكن الحروب الصهيونية عسكرية فقط ولكنها كانت حروبا وجودية ممنهجة تهدف لاجتثاث الهوية الفلسطينية قبل الإنسان الفلسطيني. عمل الاحتلال من خلالها على قتل الإنسان وتدمير الاقتصاد وتمزيق النسيج المجتمعي وتحجيم الإبداع الثقافي ونزع الموروث الحضاري الذي اكتسبه الإنسان الفلسطيني جيلا بعد جيل. وما حصار غزة الذي بدأ عام 2006 إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة تهدف لتدمير الشعب الفلسطيني اقتصاديا وتجهيله ثقافيا وابتزازه سياسيا.
بدأ الاحتلال حربه الثقافية منذ ما قبل نكبة 1948 حيث دمر الآثار وسرق بعضها وزور التراث والزي وبعض المأكولات الشعبية وأغلق الكثير من الصحف والمطابع وفرض رقابة شديدة على المطبوعات ودور النشر ومنع الحفلات الفلوكلورية وأغلق الجامعات والمدارس والمعاهد وأخضع المؤسسات الثقافية لنظام سلطوي ديكتاتوري لا يقدم إلا ما يسمح به الاحتلال.
قبل بدء الحصار كان في قطاع غزة 11 مكتبة عامة وكما كل القطاعات فقد تأثرت المكتبات بشكل كبير أثر على خدمتها وعلى نسبة تجديدها للكتب وعلى نسبة الإعارة وقد حدثني مندوب أحد المكتبات أنه لم يتلق أي كتاب جديد منذ بداية الحصار. طبعا هذا الحصار والإغلاق أثر بشكل خاص على مكتبات الأطفال من خلال عدم دخول الكتب والمواد التعليمية والمكتبية الخاصة بهم.
الحصار منع غزة من المشاركة في معارض الكتاب الخارجية وقلل من نسبة الإنتاج الثقافي ومنع دور النشر من إرسال كتبها إلى غزة وأثر بشكل كبير على نوعية الكتب المعروضة في المكتبات، وبما أن الحصار يعني ضعف التمويل أيضا فهذا يعني أن المكتبات العامة وحتى الخاصة لن تستطيع توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الثقافية. فمعظم الكتب الموجودة الآن إما أن تكون قديمة أو أنها من السوق المحلية أو تم تهريبها في وقت ما بصعوبة بالغة.
بسبب الحصار الاقتصادي ارتفعت أسعار المواد اللازمة للطباعة كالورق والأحبار وارتفعت أسعار ماكينات الطباعة وتوقف استيراد المواد الخام. كل هذا رفع أسعار الكتب بشكل كبير وهو ما أدى بالتأكيد لقلة شراء الكتب. وفي حالة اللجوء للنسخ الإلكترونية فإن هذا يعرض مساحة محددة من الكتب، كما أن انقطاع التيار الكهربائي يجعل من القراءة الإلكترونية صعبة.
غزة هي المدينة الوحيدة التي لم تكن حاضرة في المعرض الفني «غزة تدور حول نفسها» الذي أقيم في الضفة الغربية. فالحصار لم يؤثر فقط على المكتبات وإنما تعدى الأمر ليشمل الأدب والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والندوات والدورات وورش العمل. فلا مثقفو غزة يستطيعون السفر للمشاركة في الأنشطة الثقافية ولا مثقفو الخارج قادرون على تبادل التجارب الثقافية والإنسانية مع غزة. الفنان غير قادر على المشاركة في المعارض الخارجية والأديب لا يستطيع نشر أعماله والفرق المسرحية غير قادرة على عرض مسرحياتها. حتى العلماء والخبراء ومدربو التنمية البشرية لا يستطيعون القدوم إلى غزة، ما يحرمها من الحصول على الخبرات اللازمة.
إن المعركة الثقافية مع الاحتلال مستمرة وهي معركة كبيرة تشمل كل الوجود الفلسطيني. وما حصار غزة إلا أحد الألوان التي يتعامل بها الاحتلال في حربه الثقافية مع الفلسطينيين؛ لذا نحن بحاجة للمثقف المقاوم الذي يحارب الاحتلال بكل الوسائل الممكنة والذي لا يسمح بطمس هويته رغم كل المحاولات والضغوطات. فلسطين التي لم تسقط رغم الحروب المدمرة قادرة على أن تحافظ على ثقافتها وأن تقابل الاجتثاث الصهيوني بالأدب والفن والثقافة، لكنها بالمقابل بحاجة لمزيد من الدعم الثقافي الذي لا يقل أهمية عن الدعم السياسي والاقتصادي.

? AsemAlnabeh@
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.