الخميس 14 رجب / 21 مارس 2019
01:29 م بتوقيت الدوحة

يراه المختصون عالماً فنياً قائماً بذاته

الخط العربي.. ملك متوّج في عصر التكنولوجيا

352

ايمن يوسف

الأربعاء، 29 أبريل 2015
الخط العربي.. ملك متوّج في عصر التكنولوجيا
الخط العربي.. ملك متوّج في عصر التكنولوجيا
يعد فن الخط العربي عالماً فنياً قائما بذاته كما يراه اختصاصيون ومحبون للفن، ورغم التقدم التكنولوجي الكبير في مجال الفنون إلا أن الوسائل الحديثة لم تخرجه من دائرة الضوء رغم اعتماد معظم الكتابات على الطباعة الرقمية، فما زال الخط العربي يتمتع بجاذبية كبيرة تجعل الهواة يقبلون على الخطوط لرسمها وتشكيلها، كما تقيم المعارض حيزاً لهذا الفن ويقبل الخطاطون من أنحاء العالم على هذا رسم هذا الخط. رسمت آلاف الآيات القرآنية بلوحات تمثل فنون الخط العربي، لوحات فنية متكاملة لمن يرى ويتذوق الفن، ومع أن أعداد اللوحات المكتوبة منها انحسرت من على لوحات المحال التجارية، إلا أنها عادت كجداريات على جدران المباني والمؤسسات الحكومية، وأصبحت جزءا من حياة قطاع واسع من المجتمعات الإسلامية، يقول أستاذ الخط العربي ورئيس قسم الخط العربي بمتحف الفن الإسلامي بالدوحة سعيد أنصاري في حديثه لـ «العرب»: إن الخط العربي انتقل من وسيلة للتعبير عن معاني الكلمات إلى ناقل وحافظ للعلوم والتراث، وبدأ رحلته مع القرآن الكريم والسنة النبوية وزاد اهتمام الخطاطين وتطور الاهتمام به منذ بداية كتابته للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حتى أصبح عالما فنيا قائما بذاته في العصر الحديث، حيث يتعاظم الاهتمام به.
ويبين أنصاري أن الخط بدأ كفن له قواعد أساسية في بغداد أيام العباسيين عبر أحد الوزراء واسمه ابن مقلة بخطي النسخ والثلث، ويتابع بأن كل مرحلة في التراث العربي الإسلامي أضافت جديداً للخط فدخل الكوفي في المرحلة الفاطمية كما اكتشفت خطوط في مراحل أخرى بزيادة الاهتمام باللغة العربية من قبل الخطاطين في الدولة العثمانية كخطي الجلي الديواني والرقعة. ثم ما لبثت أن نشأت حركة للخطاطين العرب هناك. مشيراً إلى أن المنظمة الأشهر للتراث الإسلامي واسمها «أريسكا» مقرها في اسطنبول وهي من أكثر المؤسسات عناية بالخط العربي.
وتحولت الخطوط العربية إلى لوحات فنية جميلة ومعبرة بعد أن كانت تكتب مع زخارف لنباتات وصور طبيعية، وأصبح حرف لوحده وبداخله آية يعد لوحة متكاملة، وهذه تسمى المدرسة الحروفية العربية ومكتشفها في بغداد حديثاً لم يكن خطاطاً بل فناناً تشكيلياً، وهو شاكر حسن آل سعيد وهو من قدم الخط كتشكيل للوحة أو طبيعة يحمل في وسطه عبارة ومعنى دالا.

خط وبرامج كمبيوتر
توجد حاليا آلاف اللوحات التي جسدت الحروف وترجع كتابة كل منها إلى مدرسة مختلفة، يقول سعيد أنصاري: بأن الاعتماد على الكمبيوتر يساعدنا على الكتابة العادية أما الخط فلا يمكن أن يكتبه بإتقان إلا متعلم للخط يلم بفنون كتابته وبالنسب العليمة للحروف وأشكالها وأطوالها وطمسها أو مدها وسوى ذلك من قواعد كتابة الخط العربي.
ويوضح بأن هناك برامج كمبيوتر انتشرت في الآونة الأخيرة لخطي المستعلق والثلث ولكن البرنامج لا يستخدم بالشكل الأفضل إلا من قبل خطاط. ويتفق معه الخطاط حميد السعدي، أحد واضعي برامج الكمبيوتر للخط العربي، أن برامج الكمبيوتر تساعد من لديه إلمام بأنواع الخط وفنون كتابته على اكتساب مهارات جيدة، وأن التكنولوجيا لا تعلم القواعد الأساسية للخط بل تساعد في تنفيذها. فبرنامج «ديوان» على سبيل المثال يقدم 3500 تشكيلة للحروف العربية، ولكن متعلم الخط عليه أن يتابع مدرساً لأن هناك سرا وموهبة في حركة القلم بيد المعلم إضافة إلى أنها موهبة تكتشف لدى الطالب في مدرسته أو الهاوي لفنون الخط عند مشاركته في ورش لتعلم هذا الفن.

تراجع في الحياة العامة
الخط بأشكاله الفنية الإبداعية وباقترابه من الفنون التشكيلية بانحناءاته ومرونة تشكيلاته يعطي المفاتيح الأساسية لاستخدام الجماليات في الزخرفة والخط على حد سواء كما يقول سعيد أنصاري. ويؤكد بأن تعلم الخط يجب أن يبدأ من سن مبكرة قليلاً. فدور الورش في استقطاب هواة هذا الفن له دور في صقل المواهب. ولكن مدرس اللغة العربي بإلمامه وإحاطته بهذا الفن يجتذب أصحاب الحس من الأطفال لمتابعته وإكسابه المهارة اللازمة، فأنصاري تعود منذ الصغير على تقليد لوحات الخطاطين الكبار، كما كان للصحف التي تنشر عنوانيها بخط عربي يدوي دور في نشر ثقافة كتابة وتعلم وتحسين الخط لدى الجميع.
ويؤكد أنصاري على أهمية تعليم الخط في المرحلة الابتدائية بسبب إهمال تعلم فنون الخط لوقت طويل في البلاد العربية وهذا أدى إلى تذبذب مستوى الكتابة لدى الأطفال. ويتابع بأن الورش التدريبية في قطر ركزت بشكل أساسي على نقل الخبرات الجيدة في تعلم فنون الخط للأجيال الأخرى وبدأ النشاط عبر المركز الشبابي للإبداع وعبر ورشتين تدريبيتين بمركز الخط العربي بالمتحف الإسلامي، حيث لاقت الفكرة ترحيباً من سلمان المالك رئيس مجلس إدارة المركز الشبابي للإبداع الفني وأقيمت ورش لتعلم فنون الخط العربي للهواة من طلاب المدارس الإعدادية والثانوية.

تعليم الخط للطلبة
من ناحيته يعتبر الخطاط محمد سالم بأن الإقبال على الخط يجب أن يبدأ من المدرسة، ليعرف الطفل بأن جمال شكل الخط مرتبط بجمال المعنى الذي يرسمه الخط وأن العديد من اللوحات الفنية التي تقام في ورش ومعارض المتحف الإسلامي والحي الثقافي ومركز تدريب شباب الدوحة للفنون وسواها من المراكز تقدم الفرصة للتعبير عن الموهبة لدى هؤلاء الشباب.
ويقول سالم: بأن الخط لديه بدأ كهواية ثم إن المراكز والورش المختصة بتعليمه صقلت تجربته ليصبح علما وفنا، حيث إن أنواعه المختلفة من رقعة وديواني وفارسي وغيرها أسهمت بربط الكلمات ببعضها البعض. ويتابع بأن المراكز الثقافية في الدوحة تولي اهتماماً بهذا الفن نظراً لقدرته على تحسين قدرة الطلاب على الإملاء من مراحلهم الأولى، وعلى إكسابهم معاني جمال الخط وتشكيلاته والتعبير بلوحات فنية بعد صقل موهبتهم والانتقال من مرحلة تعلم أنواع الخط إلى إجادة رسمها.
ويقول: بأن اللوحات الإعلانية المصنوعة بالطباعة الليزرية ورغم انتشارها إلا أنها لم تحل محل الخط، لأن الكتابة باليد لها معان جمالية مختلفة عن نسخ الكمبيوتر، ويقول: بأن الخط لم يعد ملاحظاً في الحياة العامة كما كان منذ عقدين أو أكثر من الزمن عندما كانت المؤسسات تكتب أسماء قاعاتها بالخط العربي وبنسخ يدوي وحتى المحال التجارية تكتب أسماءها خطاطون ومع ذلك فإن اللوحات تنتشر كلوحات فنية داخل المباني.
ويتفق معه سعيد أنصاري بأن اللوحات الإعلانية المنسوخة بالكمبيوتر تخلو من روح الجمال، فوجود اللوحات بانتشارها لا يجذب كثيراً كما هي اللوحات المكتوبة يدوياً، لأن قواعد الخط العربي بوضع نسب لأطوال الخطوط ومدها وسوى ذلك تجذب وتريح العين كما أنها تجمل الكلمات.
ويقول محمد سالم: بأن الورش التدريبية للخط تجتذب أعددا من الهواة، وإن زيادة عدد الورش في المراكز الثقافية وورش التدريب المؤهلة في المتحف الإسلامي والحي الثقافي وسواها تسهم حقيقة في تطور هذا الفن في قطر.

دورات وورش
عدد من اللوحات الفنية للخط العربي عرضت في مراكز شبابية وثقافية وكان لقسم الخط العربي بالمتحف الإسلامي النصيب الأوفر منها بعد افتتاحه في فبراير 2012 وبدء الدورات لتعلم الخط العربي وفنونه عبر أساتذة مختصين وعبر أدوات حديثة للخط وتقليدية وبمتابعة مباشرة من المدرس لتلامذته، برسم الخطوط أمامهم.
ويقول سعيد أنصاري رئيس القسم بأنه لمس ومنذ بداية تجربته بتعليم فنون الخط العربي بالدوحة العام 1999 حباً لهذا الفن من المواطنين وشغفاً به، وأنه خلال ثلاث سنوات من إقامة معارض ومسابقات الخط العربي في المدارس الإعدادية والثانوية: «لمسنا مواهب جيدة تستطيع تعلم مهارات الخط وإتقانها، كما أن لهذه الورش صدى لدى المجلس الأعلى للتعليم الذي عمم على المدارس المستقلة بعمل ورش للخط العربي استعداداً لليوم العالمي للغة العربية».

اللغة والخط
أنصاري قال: إن اللغة العربية تميزت بفنون متعددة ومنها الحرف العربي وإن عددا من اللوحات الفنية اليوم تضم كلمات فقط مشكلة من حروفها، وإن هواة هذا الفن ليسوا فقط من الدول العربية بل من جميع أنحاء العالم لدرجة أن أحد أشهر الكنائس في روما كتب على مصراعيها كلمات بالعربية وبتشكيلاتها الفنية وعدد من الزخارف، وأن استخدام الحرف الكبير والآية القرآنية بداخله هي من فنون تشكيل المحببة لدى الخطاطين.
ويتابع بأن على متعلم الخط العربي أن يتحلى بالصبر في تعلمه لرسم الحرف بالمدارس المختلفة وأن يتقنها عبر الصبر في التدريب والملاحظة ليد خبير ترسم الخط على قماش أو لوحة أمام عينيه، حتى يتمكن من إتقان الحرف وبالنسب الفنية المحددة لكتابة الخط العربي وبحسب كل نوع للخط.
ويقول أنصاري في بداية افتتاح الورش بالمركز: استقبلنا الكثير من الشباب القطريين وكانوا يتمتعون بحس عال في إتقان رسم الحرف وتعلم النسب الفنية بالرسم، واستخدام الأدوات ومتابعة الورش، كما بذلوا جهدا في نقش الكلمات وإعادة كتابتها مراراً. ويقول: بأن البداية في ورش تعلم الخط العربي كانت مع الفتيات الذين تمتعوا بحس مرهف وصبر في تعلم أنواع الخطوط وأقاموا معارض فنية وشاركوا بمسابقات إقليمية ودولية للخط العربي.
عدد من اللوحات الفنية للخط العربي انتشرت في المركز وعكست مساهمات قيمة للمشاركين في الورش والمدرسين. ويقول أنصاري: بأن من يريد اكتساب المهارات للخط العربي عليه أن يملك شغفاً بهذا الفن كما أن عليه أن يتدرب دائماً على رسم الخطوط بالمقاييس الفنية لكل نوع خط حتى لا ينسى ما تعلمه، وعندما يتعلم خط جديد عليه أن يخصص جزءا من التدريب للنوع الأقدم والآخر الأحدث حتى يميز بين المقاييس الفنية لكل نوع خط عربي.

التعلم الحي
وحول لوحات الخطوط الفنية يقول أنصاري: إن الخط فن مستقل ويختلف عن الفن التشكيلي، إلا أن نوعا جديدا من الخطوط ظهر باسم الخط التشكيلي وهو لوحة من خطوط مختلفة.
عدد من المشاركات لأساتذة ومربين وطلاب للوحات خطوط تتشابه فيما بينها عرضت في بهو المركز بالمتحف الإسلامي، يقول أنصاري: بأن الأهم بالنسبة لهاوي الخط العربي أن يراقب ويتابع حركة القلم بيد المدرب، لأن وسائل التعليم الحديثة عبر الفيديو أو سواها لا تعدو عن كونها علماً بالشيء وليست وسيلة تعليم فاعلة، وتتنوع وسائل تعليم الخط العربي من طباشير على السبورة إلى أقلام ملونة وعارض ضوئي لنقل اللوحات إلى السبورة.
ويتابع أنصاري بأن المواهب في رسم الخط العربي تتطور يوما بعد يوم لزيادة أعداد متذوقي هذا الفن، وإن كان العديد منها يكتشف في مراكز تعليم هذا الخط إلا أن التقدم في الخط العربي لا يكون عبر المتتبعين أو الفضوليين بالسؤال عن معنى هذه اللوحة أو تلك، وأن الإقبال على دورات تعليم الخط العربي بدأ ملحوظاً في العديد من المراكز، وتعاونت المدارس مع المراكز الشبابية بتنظيم دورات يحضرها الطلاب للخط العربي.
ويؤكد أنصاري أن الحفاظ على الخط العربي وفنون كتابته يدوياً تسهم بالحفاظ على الإرث الحضاري المميز لأمتنا، عبر تعليم فنون الخط العربي في المدارس المستقلة والخاصة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.