الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
05:56 ص بتوقيت الدوحة

السعودية ودول الخليج.. الدفاع عن النفس الاستباقي المتأخر

السعودية ودول الخليج.. الدفاع عن النفس الاستباقي المتأخر
السعودية ودول الخليج.. الدفاع عن النفس الاستباقي المتأخر
يعود تطبيق مبدأ الدفاع عن النفس الاستباقي في العلاقات الدولية الحديثة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية أي المبدأ الذي رسمه الرئيس الأميركي ترومان في إعلانه بشهر مارس عام 1947 وبعد إنهاء الحرب العالمية الثانية متزامنا مع تطبيق برنامج مرشال المعروف في مساعدة الدول التي تعادي الكتلة الشيوعية وخصوصا ألمانيا الاتحادية التي تمت مساعدتها على الإعمار.
فترومان رأى أن على أميركا يجب أن تأخذ دائما ومن أجل بقائها وسلامتها أن تأخذ في الافتراض بأن هناك أخطارا تهدد وجودها وأمنها ومستقبلها، وأن هناك أعداء يتربصون بها ومن ثَمَّ يجب وضع كل قدرات الولايات المتحدة في خدمة مشروع الدفاع الاستباقي حتى وإن كان الخطر غير محدق على المستوى الزمني القريب.
وهذه النظرية هي إحدى النظريات الأساسية التي تقوم عليها استراتيجيات أميركا بعد الحرب العالمية الثانية والتي تحدد صراحة بأنه يجب على أميركا أن تضع في استراتيجيتها بعيدة الأمد والقريبة زمنيا جاهزية الحرب والمواجهة مع من يفترض أنهم سوف يهددون مستقبل أميركا، ومن ثَمَّ تطبيق نظرية أساسها أن الاستباق في الدفاع ضد المخاطر هو العصب الأساسي لضمان استمرار أمن وتطور أميركا إيجابيا.
كانت أول تجربة لمواجهة المد السوفيتي آنذاك وتطبيق مبدأ الدفاع الاستباقي عن النفس تم تطبيقه في اليونان؛ حيث كان أحد مستشاريه وهو السناتور آرثر فاندنبورغ الدي نصحه بقوله سيدي الرئيس إن الطريقة التي يمكنك أن تحقق بها هذه الاستراتيجية هي أن تلقي خطابا تحاول من خلاله أن تثير الفزع والذعر عند المواطنين وأيضاً الأصدقاء حتى تطبق النظرية دون أن تكون هناك شكوك ودون الاكثرات بالقيمة المالية التي سوف تنفق على التجهيزات العسكرية والأعمال السرية والمصاعب الاقتصادية، ونتيجة لهذه الاستشارة وجد ترومان فرصة في إفزاع البلاد؛ حيث رسم صورة قاتمة لما يجري في اليونان حيث قال: إن وجود اليونان اليوم أصبح مهددا من قبل الأنشطة الإرهابية التي يقوم بها بضعة آلاف من الرجال المسلحين بزعامة الشيوعيين الذين يتحدون سلطة الحكومة ويريدون إسقاطها وإحلال الفوضى التي سوف تضرب أوروبا الغربية وتهدد أمن الولايات المتحدة الأميركية.
إذن السياسة الأميركية واستراتيجياتها تقام على الدفاع عن النفس الاستباقي، ومن ثَمَّ فإن الرئيس ترومان ربط أمن الولايات المتحدة وأمنها الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي يجب أن يرتبط بحرب استباقية ضد المخاطر التي قد تهدد وجود أميركا من الشيوعية، وأنه يتوجب على أميركا أن تستعمل كل الحيل والقوة لأجل تعاطف الشعوب الأخرى مع الاستراتيجية الأميركية وإيصال فكرة أن المخاطر الشيوعية على السلام والأمن العالمي لا يمكن مجابهتها إلا بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
الرئيس بوش الابن بعد عام 2001 وأحداث سبتمبر اتجه إلى تطبيق مبدأ ترومان في الدفاع الاستباقي؛ حيث قام هو الآخر باستعمال الحرب على الإرهاب كوسيلة للحفاظ على أمن أميركا والتي سوف تستمر لعشرات السنوات، كما حصل إبان الحرب الباردة أو الحرب على الشيوعية التي امتدت واستمرت من عام 1947 وحتى عام 1999 بعد القضاء الكلي على الخطر الشيوعي ونهاية الكتلة الشرقية وتوحيد ألمانيا.
بالنسبة لسياسة الدفاع الاستباقي والتي تطبقها الإدارة الأميركية بعد أحداث سبتمبر 2011 أي الحرب على الإرهاب سوف تستمر لربما خمسين عاما وستكون الأداة أو العصا التي سوف تجوب شرقا وغربا لكل من تراه أميركا قد يشكل خطرا على أمنها.
نظرية ترومان في التاريخ السياسي والحرب ليست وليدة الصدفة وإنما تمت ممارستها عبر التاريخ من قبل الكثير من الحضارات التي أثمرت واستمرت القرون، بينما الحضارات الأخرى التي لم تطبق هذه السياسة وانتهجت سياسة الدفاع عند الضرورة أو الدفاع عن النفس عند الضرورة فقط فقد اندثرت زمنيا قبل قرينتها التي انتهجت سياسة الدفاع عن النفس الاستباقي.
قد يرى البعض أن مبدأ ترومان بالحرب على الشيوعية ومجابهتها بالحرب الاستباقية كخطر على سلامة أميركا أو سياسة بوش وتطبيقه لمبدأ ترومان بإعلانه الحرب على الإرهاب قد يرى البعض أن هذا المبدأ غير أخلاقي لأنه يستدعي التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
السعودية كبقية الدول المسالمة والتي ليس لها أطماع في تطبيق سياسة الدفاع عن النفس الاستباقي؛ حيث اكتفت وعبر التاريخ بترتيب قواعد أساسية للدفاع عن النفس عند الضرورة، ولكن أخيرا رأينا أن السعودية أدركت وأصبحت تشعر بأن الأخطار قد تكون قريبة منها ولهذا كان أول عمل تقوم به السعودية للحيلولة دون تعرضها إلى مخاطر هو مساعدتها لجارتها البحرين مند عدة سنوات، وأيضاً حرصها مع بقية بلدان الخليج لتوحيد سياسة خارجية تهدف إلى خدمة مواطني دول الخليج من خلال مجلس التعاون الخليجي على إيجاد تعاون أمني لحفظ سلامة هذه الدول.
السعودية واليمن هما بلدان شقيقان يجمعهما الدم والدين والجغرافيا والتاريخ والثقافة والحضارة بجميع أنواعها، وكانت دائما السعودية عونا لليمن وشقيقا أكبر لمساعدة اليمن عندما تدعو الحاجة، والمتفحص للتاريخ يمكنه أن يرى هذا التعاون.
إلا أن السعودية حديثا أدركت أن هناك فوضى تعم هذا البلد وأصبحت تعصف به، وربما هذه الفوضى قد تؤدي إلى ضياع اليمن كله، وأن المخاطر قد تصل إلى التراب السعودي وتهدد كل أمنه وسلامته، خصوصا أن القتال الدائر له مصادر خارجية عن اليمن وهدفه المستقبلي والحقيقي هو أيضاً زعزعة السلام والأمن بالسعودية وكل بلدان الخليج، ومن ثَمَّ رأت السعودية أن الوقوف مكتوفة الأيدي والتفرج على ما يجري في اليمن أمر لم يعد قابلا للاستحسان الشرعي، ومن ثَمَّ قررت قيادة السعودية تطبيق مبدأ الدفاع عن النفس الاستباقي قبل أن تنتقل المخاطر إلى الأراضي السعودية والخليجية.
كمتخصص في العلاقات الدولية والاستراتيجية يمكنني القول: إن السعودية ودول الخليج كان بوسعهم دراسة الوضع اليمني مند فترة طويلة ومند التسعينيات، وكان بوسعهم اتخاذ خطوات عملية ومهمة والتي كان يمكن أن تكون إيجابية ليس فقط في صالح أمن دول الخليج والسعودية وإنما أيضاً في صالح اليمن.
إذن كان من الأول تطبيق نظرية ترومان Troman Doctrine الدفاع الاستباقي بوضع حد للفوضى في اليمن واتخاذ إجراءات حازمة لضمان سلامة الجميع.
الكاتب لا يمكنه إلا أن يدعو البلاد العربية والإسلامية إلى إنشاء قوة خاصة لحفظ الأمن والسلم على غرار قوات حفظ السلام الدولية أي القبعات الزرقاء.

shallufhadi@yahoo.com ❍
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.