الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
09:48 م بتوقيت الدوحة

الإبحار في عوالم الاستثمار

187
الإبحار في عوالم الاستثمار
الإبحار في عوالم الاستثمار
مع نمو الاقتصادات العالمية نمت الثروات الفردية للكثير من الناس، كما أن الرفاهية التي تغدقها الدول ذات الدخل القومي المرتفع والكثافة السكانية المنخفضة (كدول مجلس التعاون) قد أدت إلى ارتفاع الدخل الفردي بشكل غير مسبوق، وبالتالي نمو الثروات الفردية إلى مستويات تفوق بكثير مثيلاتها في كثير من دول العالم المتقدم، وعلى سبيل المثال يبلغ متوسط الدخل الفردي المعلن في قطر نحو 100.000 دولار أميركي في العام.
وقد أدى نمو الثروات الفردية في منطقتنا إلى زيادة الطلب على خدمات المال والاستثمار، وفي المقابل فقد تزايد الطلب على هذه الثروات والمنافسة على اجتذابها من قبل المؤسسات المالية والاستثمارية لتوظيفها في استثمارات تحقق التنمية، أو في أسهم وسندات أو حصص استثمار مباشر أو بمشتقات تعتمد أساسا على الرياضيات المالية وتفاوت أسعار الفوائد وتذبذب أسعار الصرف. ويتم تداول الأوراق التي تمثل هذه الاستثمارات في الأسواق المالية أو من خلال المؤسسات المالية.
يعرف الثري (High Networth Individual) بأنه من يملك -بحسب تعريفات وتصنيفات مختلفة- أصولاً مالية سائلة وقابلة للاستثمار (Liquid Investable Assets) تزيد على مليون دولار أميركي، (ولا تتضمن هذه الأصول منزله الذي يعيش فيه). هناك بالطبع تصنيفات متعددة للأفراد أصحاب الثروات، فهناك الأكثر ثراء وهو من يملك أكثر من خمسة ملايين دولار، وهناك الواسع الثراء بثروة سائلة تفوق الثلاثين مليون دولار.
وتشير الإحصاءات المتوفرة إلى أن عدد الأثرياء الأفراد بالمفهوم السالف ذكره على مستوى العالم لسنة 2012 يبلغ نحو 12 مليون فرد بثروة تزيد عن 46 تريليون دولار. من هذا العدد يعيش نحو 3.73 مليون ثري في أميركا الشمالية بثروة قدرها 12.7 تريليون دولار، ويبلغ عدد أصحاب الثروات، أو الأثرياء في الشرق الأوسط أقل قليلاً من نصف مليون شخص بثروة قدرها 1.3 تريليون دولار.
الاستثمار المالي وإدارة الثروات (Wealth Management) عمل يحمل الوعد بالربح ويحمل مقابل هذا الوعد الكثير من المخاطر. كل شيء في الحياة مخاطر، وكل عمل أو قرار أو حركة أو خدمة أو سلعة أو رياضة أو أو... إلى ما لا نهاية يحمل في طياته مخاطر بدرجة أو بأخرى.
ولا يعني هذا أن يجلس الإنسان في بيته مختبئاً من المقادير، بل إن الإنسان يتحرك ويسعى في طلب الرزق ويؤدي أعماله اليومية ويقود سيارته ويركب الطائرات ويشتري البضائع ويبيعها، إلى غير ذلك من الأنشطة التي تهدف لإشباع حاجاته المختلفة من مأوى ومأكل وملبس وعلاج وتعليم وتحقيق وفر معين لبناء ثروة تساعده على مواجهة المتغيرات وتوفير مظلة أمان له ولأسرته، كل ذلك دون أن تردعه المخاطر الكامنة في تلك الأنشطة عن القيام بها.
وقد وقر في وجدان الإنسان منذ تطور الإنسان حب الثروة وكسب الأرباح جنبا إلى جنب مع حب المخاطرة. ومن تجارب البشر فإنهم يخاطرون بحساب ويعلمون أن المخاطرة المحسوبة تبرر تحقق الأرباح «المعقولة» أما المخاطر العالية فتنتظرها نتائج سلبية شبه مؤكدة الوقوع، ولن تجد رجلا عاقلا (أو سيدة عاقلة) يلقي بثروته للمجهول أو ينفقها في غير ما منفعة.
تنشط الكثير من البنوك الكبرى والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار ووسطاء الاستثمار في تقديم خدمات إدارة الثروات بعرض فرص الاستثمار المختلفة لأصحاب هذه الثروات، بأهداف واضحة تتضمن: سلامة هذه الاستثمارات ونمو قيمتها حماية لها من التآكل بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، تحقيق عوائد عليها بتحقيق أرباح من إيراداتها، تحقيق أرباح رأسمالية من بيعها والخروج منها. وتقوم تلك المؤسسات بهذه الخدمات من خلال دوائر مستقلة تعمل بها فرق متخصصة في الأبحاث والدراسات والتسويق وتقديم النصح بالشراء والبيع وحفظ المستندات وتحصيل الأرباح ومتحصلات البيع ودفع الضرائب إلى غير ذلك. تتم أعمال الاستثمار على مسؤولية أصحابها، ولا تتحمل المؤسسات المديرة للثروات أي مسؤولية إلا في حالات التقصير والتعدي. وتحصل هذه المؤسسات على إيرادات مرتفعة مقابل خدماتها كما يحصل العاملون بها على مكافآت مجزية.
تعامل هذه المؤسسات بعضاً من عملائها الأوسع ثراء نفس معاملتها للمؤسسات الاستثمارية العملاقة، وذات الفوائض النقدية الضخمة مثل صناديق الثروات السيادية وصناديق التقاعد وثروات العائلات العريقة، وذلك من حيث مستوى الخدمة والاهتمام والرسوم المنخفضة.
إن القصص الكثيرة التي تروى عن مستثمرين واعين وذوي خبرات حققوا أرباحاً طائلة من خلال استثمار أموالهم في استثمارات مخاطرة، والإيرادات الضخمة التي تجنيها المؤسسات المالية الكبرى من إدارتها لهذه الثروات، تسببت في ظاهرة دخول بعض الأثرياء بأحلام بالكسب السريع ليس لها مبرر ومن دون مهارات ملاحية، إلى هذا البحر اللجي المتلاطم الأمواج والبالغ التعقيد، مصدقين ما استمعوا إليه من باعة حاذقين تعنيهم عمولاتهم ومكافآتهم فقط، ويتقنون تبرير الخسائر عندما تحدث.
ورغم تشدد الجهات الرقابية والتنظيمية، إلا أن كثيرا من الممارسات الخاطئة والتساهل في تطبيق القواعد والأنظمة قد وقعت من مؤسسات مختلفة مع عملاء خبراء وعملاء أقل خبرة، أدت في النهاية إلى خسائر ما كان يجب أن تحدث لو التزم المستثمرون القناعة والحذر وعرفوا مع من يتعاملون.
ونعلم جميعا تشدد المؤسسات المالية في التحقق من عملائها ومن مصادر أموالهم، من خلال تطبيق قاعدة اعرف عميلك. وفي المقابل فإن على المستثمر أن يطبق نفس القواعد على المؤسسات التي تعرض خدماتها، حتى يكون على معرفة تامة مع من يتعامل. من المهم معرفة أن بعض المؤسسات المجهولة تتوارى بستار الثقة غير المبررة التي يضعها بعض المستثمرين المحتملين من غير ذوي الخبرة في بعض الباعة (المتجولين) المجهولي الانتماء حتى لا تقع تحت سمع وبصر الجهات الرقابية. من الأمور التي تدركها تلك المؤسسات المجهولة أن الباحثين عن الثراء السريع يندفعون وراء الوعود المعسولة دون تمحيص وإدراك للمخاطر المحتملة وعواقبها.
ولقد فطنت الجهات الرقابية لذلك، فوضعت ضوابط وقواعد فعالة هدفها توعية المستثمر وحمايته من نفسه ومن المبالغات البيعية المحتملة لبعض المؤسسات وبيوت الاستثمار ومندوبيها، وعلى المستثمر أن يتعرف على هذه الضوابط والقواعد من خلال مستشاري استثمار ذوي خبرة وبيوت قانونية كفؤة، وأن يطلب بيانات عن استراتيجية مدير الاستثمار وبيانات ومذكرات تعريفية عنه، وعن مكان تأسيسه والهيئة الرقابية الخاضع لها، وهل يسمح له بتسويق خدماته في بلد المستثمر، وبيانات عن الاستثمار ومخاطره، من أجل إتمام دراسة تقصي المخاطر قبل أخذ القرار. هذه الضوابط والقواعد متاحة من خلال الشبكة العنكبوتية ومن خلال الاتصال المباشر مع البنوك المركزية وهيئات الإشراف والتنظيم المالي.
إن الثروة سلعة غالية من أجلها يختلف البشر وتتصارع الدول وبها يحصل التقدم والتنمية ورخاء المجتمعات والأفراد، وتستحق أن نحيطها بما تستحق من حماية ونتعامل بها بما تستحق من حذر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.