الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
03:34 ص بتوقيت الدوحة

حارث الضاري رجل العراق وسليل المجد

حارث الضاري رجل العراق وسليل المجد
حارث الضاري رجل العراق وسليل المجد
رحل الشيخ حارث الضاري عن دنيانا بصمت وهدوء كما كانت شخصيته الوادعة التي تأسر جليسها أو من يعرفها بسمت خلوق ترى فيه آثار التربية الأصيلة للبيوتات العريقة. رحل وهو يحمل، كأي مجاهد، غصة وألم مبعثه تلك الرغبة العارمة التي تريد مواصلة المشوار والانتصار لقضيته والنيل من عدو يصول ويجول في العرض والمال والوطن.
في سنواته الأخيرة عانى الشيخ حارث من غربة مضاعفة، لم يكن الاغتراب عن الوطن لوحده مبعث تلك الغربة، بل غربة الموقف وصلابة الثبات على المبادئ، حتى الرمق الأخير. عاش الضاري على هدف واحد لا يقبل الإقالة ولا الاستقالة: عراق حر مستقل قوي واحد وفقا لإطار جامع يأتلف فيه أبناؤه بلا تمييز أو تفريق، عبر المقاومة المشروعة بكل صفحاتها المسلحة والسلمية سواء بسواء. ورغم تقلب الأحوال وتغير المآلات في العراق، من سنوات المقاومة المجيدة التي ألحقت الهزيمة بقوات الاحتلال، إلى الانعطاف والتراجع بعد بروز مشروع الصحوات، الذي عملت عليه قوات الاحتلال ورديفها الإيراني، وما أعقب ذلك من تدهور الأوضاع وصولا لما يعيشه العراق اليوم.. رغم ذلك كله لم يحنِ حارث الضاري رأسا أو يهادن عجزا.
في قلب استهداف العراق كان النيل من الحزم والعزم اللذين صبغا الإطار العام للحالة العراقية، خطوة لا بد منها في الطريق لتدمير العراق ومنه ومن خلاله استهداف الوطن العربي مشرقا ومغربا. ومن مخزون الحزم والعزم العراقي برزت المقاومة العراقية، وبرزت معها الحاجة لقيادة بذات العزم لا تساوم على مصير ومستقبل العراق، في ظل أوضاع لم تشهد لها المنطقة مثيلا منذ سقوط الدولة العثمانية. ولم يكن إلا الشيخ حارث الضاري ذلك القوي الأمين والذي برز كقيادة سياسية لفصائل مهمة من المقاومة العراقية عملت على تخويله أمانة مستقبل ومصير العراق في أي استحقاقات سياسية تلي الصفحة العسكرية المقاومة للاحتلال. تميز الشيخ الضاري بالمسؤولية الكبيرة وبعد النظر وهو يسعى للدفاع عن قضية العراق في المحافل العربية والإقليمية والإسلامية، فكان شخصية فذة خبرها المراقبون للشأن العراقي على كل المستويات ولاقت تقديرا لم يحظَ به إلا القلة من القادة.
ورغم أن الشيخ الضاري لم يشغل أي مسؤولية سياسية في الدولة العراقية من قبل، فإنه كان يتمتع بحس رجل الدولة المسؤول في سائر ما يصدر عنه، الأمر الذي جعله رقما صعبا ومهما في نظر أغلب الذين عرفوه. وتجلى حس المسؤولية عند الشيخ في الطريقة التي تعامل بها مع كل ما يتعلق بالعراقيين من شتى المكونات؛ إذ لم ينظر إلى أبناء شعبه إلا باعتبارهم مواطنين لا ينبغي التعامل معهم والنظر إليهم إلا من خلال رؤية شاملة توحدهم في إطار مشروع جامع بعيدا عن المسميات والشعارات. ولطالما تسببت نظرته المسؤولة هذه، بلغط أثاره أصحاب الخطاب الانفعالي، وهو خطاب بعيد عن الرؤية النافذة التي يتعامل معها صناع القرار. كان الشيخ الضاري يعد كلماته قبل أن يلفظها، وسعى، كشخصية وطنية لاستيعاب الجميع، في توجه معاكس لمشروع الاحتلال الذي أراد تفكيك الوطن وتفريق الجميع. ولا يعي هذا الأمر إلا رجل دولة يتمتع بحس المسؤولية وتكاليفها الكبيرة. ولا أدل على هذه الحقيقة، من قوة شخصية الشيخ وخطه السياسي الصلب الذي لم يعرف التنازل أو القبول بالأدنى في كل ما يتعلق بمصير العراق ومستقبله، وهي صلابة لا تشي بأن الشيخ كان في إطار التفريط بالثوابت أو الجهل بحقيقة الأشياء أو الأشخاص أو الوقوف على حقيقة ما يجري في العراق، فقد كان ملماً بما يجري في الوطن ساعة بساعة. كان الشيخ بسيطا متواضعا، ولكنه كان، أيضا، عميق الغور ذا رؤية بعيدة تنفذ إلى حقائق الأشياء لا صورها وتتطلع إلى مآلاتها لا حاضرها فقط، لهذه الأسباب، وغيرها كثير، تكالب أعداؤه على استمالته بكل أصناف المغريات، وهي مغريات كانت تصطدم بأبواب من الرفض شديدة الإغلاق. وحتى بعد أن توالت صفحات المخطط الأميركي على العراق، ولم تزل، وبدا أن الشيخ، لم يعد يمثل قوة ملموسة على الأرض، خصوصا بعد تطورات الأحداث، وبشكل دفع الكثير لحافات اليأس أو الحيرة مما يجري؛ بقي الشيخ الضاري قويا أمينا لا يساوم ولا يهادن، محتفظا بجبروت تاريخه كبركان يمكن أن يرمي بحممه في أي وقت، وهو آتٍ لا محالة، على الصغار الذين ارتضوا المهانة لأنفسهم ولوطنهم العزيز.
لقد عاش الشيخ الجليل مقاتلا شرسا ضد الاحتلال الأميركي لبلاده، وكان يعلم ببصيرة ثاقبة أن ذلك الاحتلال البغيض هو من فتح أبواب العراق للنفوذ الإيراني ومهد لأكذوبة (ملأ الفراغ)، وأصر على أولوية استهداف ذلك الاحتلال باعتباره المدخل لتحرير العراق ودحر نتائج وتداعيات ذلك الغزو. وكانت نظرة سديدة، ظهر برهانها في موقف بعض العرب الذين ساندوا الموقف الأميركي ولم يكونوا بالضرورة مع النفوذ الإيراني. ورغم مرارات الواقع ومآلاته في العراق، فإن الشيخ لم ييأس أو يستسلم، وهو يعلم حجم التكاليف وقسوة الظروف العربية والإقليمية، وأبى أن ينزل بذاته أو بقضيته، منزل الذل أو الاستعطاف من أي جهة، مهما كانت، فلم تكن قضية العراق ملكا شخصيا له أو لأحدٍ سواه، وما لا يستطيع إكماله هو، سيأتي من يستطيع ولو بعد حين. عزز من هذا الأمر، كون الشيخ حارث الضاري سليل عائلة وطنية تاريخها أسطع من ضوء النهار، كما أنه شيخ عشيرة عزيزة وقوية ذات تاريخ مجيد، وفضلا عن هذا فهو عالم من العلماء المصلحين المجددين.
كثيرة هي المواقف التي تكتب بمدادٍ من نور للشيخ حارث الضاري، والتي تدل على عنفوان وشموخ لا يعرف الانحناء أو الوهن؛ إذ استعلى بنفسه وقضيته على سائر ما يتواضع عليه كثير من السياسيين بذرائع المصلحة المتوهمة أو متطلبات الواقع. سيذكر العراقيون والعرب، لفترة طويلة قادمة، حارث المجد الذي عاش كبيرا ومات عزيزا، كما يتذكرون، دائما، سليمان وضاري المحمود وكل الوطنيين العراقيين ممن لم يفرطوا بالعراق العظيم الذي سيأتي دائما بالرجال الرجال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.