الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
02:19 م بتوقيت الدوحة

فيض الخاطر

قطري ليس من قطر

قطري ليس من قطر
قطري ليس من قطر
السلوك المتطرف للإنسان يفسره الكثير من المحللين النفسيين أنه نتيجة الظروف القاهرة والتهميش الاجتماعي والضغط المادي والمعنوي الذي تعرض له الإنسان.
لا شك أن هذا الكلام صحيح، وتؤيده الكثير من البراهين والأدلة التاريخية.
ولكني أتساءل عن الضغوط النفسية التي تعرض لها إبليس، والتهميش الاجتماعي الذي تعرض له قابيل، والذل والقهر والانكسار الذي تعرض له يوسف ذو نواس، واليتم المادي والمعنوي الذي تعرض له فرعون.
إن اختلاق الظروف والأعذار لأرباب الجريمة المنظمة جعل لهم مسوغات ونوافذ يعبرون من خلالها لتبرير سلوكهم فيتخففوا من عذاب الضمير.
العصيان والتطرف لم يبرر في السماء، وقد يبرر قليلاً للذين لا يؤمنون بالله، ولكنه تحت ظل أي قاعدة دينية إسلامية فهو لا يبرر، وكلي ثقة أن الذي خلق النفس البشرية هو أعلم بما ألهمها من فجورها وتقواها.
إن أكثر الحركات المتطرفة ليست نتيجة القهر والظلم، إنما هي جريمة منظمة تصدر من عقليات إجرامية على قدر عال من الوعي والتكتيك ومعرفة الهدف.
وأتباعهم هم من الناس المفتونين بفكرهم، لأن هذا الفكر يشبع الرغبات الحاقدة للانتقام من إرادة السماء أولاً، ومن العباد ثانياً.
عندما قام يوسف ذو نواس بأول هولوكوست «محرقة المؤمنين» ومعه أتباعه، وهم من كانوا يحوزون على الأرض وخيراتها، وكذلك فرعون النمرود، فأتباعهم ليسوا من المستضعفين بل من الجبارين في الأرض، وهم على وعي بخططهم وأهدافهم.
وعليه كل من قام بمجازر تاريخية معلوم لدى الجميع ما أسبابه ودوافعه، إنما الذين تعرضوا للتهميش لم يكونوا مجرمين، بل كانوا مستضعفين وهم أكثر تابعي الأنبياء.
ولا أدري لماذا لم يتمرد بلال -رضي الله عنه- قبل الإسلام ويقتل أمية بن خلف.
إن ما تقوم به داعش اليوم هو ما قام به أصحاب الفرق الضالة في عصر صدر الإسلام، وهؤلاء ليسوا نتائج تهميش اجتماعي، بل كانوا موتورين أرادوا الانتقام من الإسلام ورموزه، فقاموا بقتل الخليفة عمر الذي أطفأ نارهم في بلادهم، ولكنها ما انطفأت في صدورهم، والتعلل بالظلم والاضطهاد لزلزلة الإسلام وهم على درجة كبيرة من الوعي والفكر الذي يتيح لهم استقطاب الأتباع والتدليس عليهم وإيهامهم بأنهم على حق بلباس الورع والتقوى، وقد ينخدع بكذبهم من لا يخطر لك على بال. كنا نقرأ التاريخ ونتعجب كيف ينضم محمد بن أبي بكر إلى صفوف أهل الفتنة ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وذلك لعزله عن الخلافة، ولم يكن محمد بن أبي بكر مارقاً ولا متطرفاً ولا إرهابياً ولا حاقداً، بل هو ابن أعظم رجال الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبي بكر الصديق، ولكنهم أوهموه أن الخليفة الشهيد عثمان بن عفان قد حرر أمراً بقتله، فأوغروا صدره بالتدليس والكذب والجريمة المنظمة. هذه الأفكار المتطرفة لها صناعها، وهي تنضج على نار هادئة وفق استراتيجيات جهنمية، ولكنها إذا اشتعلت أبادت الأرض ومن عليها.
إذاً ما نراه على الشاشات من أصحاب الفكر المتطرف الإرهابي هو ليس نتائج تهميش اجتماعي، إنما هذه النظريات وضعها اليهود على يد ماركس لتبرير الجريمة، واستدرار العطف بأن هناك فئة مستضعفة في الأرض تنادي بحقوقها، فتهب لجان حقوق الإنسان بأمرين إما بالمناداة بحقوقهم، فيقوى عودهم ويكونون الورقة الضاغطة التي تلعب بها يد الجريمة العالمية لنيل المزيد من التنازلات من الساسة الخائفين على عروشهم. والأمر الثاني استنزاف ثروات الأمة بدعوى أني لك ناصح أمين، عفواً «حام أمين».
في كل الأحوال قد ينضم لهم الجهال والمغررون، ولكن ما ينفعهم ليس الاضطهاد فقط، إنما هناك لحظة من الانتساء البشري بتحقيق ذلك الفجور النفسي، والذي يقود النفس البشرية إلى اصطناع حدث يشفي ذلك الغل المتفجر من أحقاد الهوى والطمع.
إذا بررنا عالم الجريمة واختلقنا لهم الأعذار، فعلينا أن نبرر لإبليس غيرته، ولفرعون جبروته، ولهتلر دمويته، وكلهم لديهم انحراف فكري وعقدي يسوقهم لذلك سوقاً.
إن الملتحقين بكل المنظمات الإرهابية والمتطرفة لديهم وعي ومكانة وأهداف لا نستطيع أن نستوعب حجمها، وما تقوله المنظمات الحقوقية إنما هو جرعات تخديرية للشعوب الراغبة في تحقيق العدالة المسلوبة، وهذا والله لسان حال المتمردين من عصر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فما مقتله إلا أول إشارة كونية للحرب المنظمة على الإسلام وعلى كل ما ينتسبون له.
لسنا قتلة ولا دمويين، ولا نفرق بين أي نوع من أنواع العنف التاريخي، لسنا اليهود قتلة الأنبياء، ولا القرامطة قتلة الحجيج، ولا المشركين قتلة الحياة، نحن أبناء ذلك الدين العظيم الذي نفتتح يومنا ونغلقه على أعظم اسم عرفته البشرية «بسم الله الرحمن الرحيم».
تحياتي لكل المنظرين أحترم رأيهم وأجله، ولكني لا أستطيع الإيمان به لأنني أؤمن أن من تعرضوا للظلم في الإسلام فوضوا أمرهم إلى الله فنصرهم الله أيما انتصار.

وقفة:
يفخر كثير من الناس بالشاعر قطري بن الفجاءة، وينسبونه إلى قطر، وأقول إن هذه الأرض الطاهرة لا تنجب أمثال ذلك الشاعر، فهو إن كان شجاعاً فشجاعته كانت في قتل المؤمنين الذين يكفرونهم بارتكاب الكبيرة، وأقول له: لتمُت نفسُك ذليلة فما عرفت دليلاً هادياً إلى استثمار الشجاعة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

غبار الأفكار

19 نوفمبر 2015

إثر حادث أليم

12 نوفمبر 2015

القيادة الجهنمية

22 يناير 2015

فلسفة الموت والحياة

15 يناير 2015

الرقص مع الذئاب

08 يناير 2015

اعتزلنا يا.. دكتور

01 يناير 2015