الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:27 ص بتوقيت الدوحة

«الترامادول» الحوثي!

«الترامادول» الحوثي!
«الترامادول» الحوثي!
حينما طلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أن ينتقل مقر الحوار الوطني إلى الرياض، وأن تتكفل المملكة العربية السعودية بآليات هذا الحوار، وأن يكون تحت رعايتها للوصول إلى حل يساعد على استقرار الأمور في الشقيقة اليمن، كان من المتوقع جداً أن يرفض الحوثيون هذا الاختيار، باعتبار أن الرياض طرف غير محايد، وهي من أوائل العواصم الخليجية والعربية التي أعلنت تأييدها لشرعية هادي، بل وافتتحت نسختها الجديدة من سفارتها في عدن، بالإضافة إلى دولة قطر، وقادت مجلس التعاون الخليجي إلى إصدار بيان موسع تلاه الأمين العام للمجلس يثبت فيه أن ما جرى في الشق الشمالي من الجمهورية اليمنية هو (انقلاب) على شرعية الحكم الذي يمثله حتى هذه اللحظة هادي وحكومته المشكلة حديثاً. وهو الاتفاق الذي أخل به الحوثيون، واحتلوا بعده ما تبقى من الشطر الشمالي لليمن، واستولوا على السلطة، وأجبروا الرئيس على الإقامة الجبرية في منزله لمدة تزيد عن الشهر استولوا فيها على الحكم، وعينوا حاكماً من عندهم، ليس له تاريخ معروف بالسياسة سوى كونه تاجراً كان يقتات لقمة عيشه من سوق (القات) المشهورة في العاصمة اليمنية صنعاء، وذلك بعد إتمام المرحلة الأولى من الحوار الذي وافق عليه الحوثيون في البداية، ثم عادوا ونقضوا العهد كما هو ديدن المحتلين عادة.
وهذا البيان الذي اجتمعت عليه كل الدول الخليجية، ولقي ترحيباً منهم -في دلالة على تكاتف الخليج مع وحدة وشرعية اليمن- لقي في المقابل رفضاً حوثياً موسعاً، مما اعتبروه (تدخلاً غير مبرر) من الخليج، وكثفت وسائل إعلامهم -الناطقة باسمهم وتصدرتها وجوه قادتهم- الهجوم على دول الخليج، لا سيما الهجوم المقنن على السعودية وقطر، وهما الدولتان اللتان باشرتا نقل سفارتيهما إلى المنطقة الدبلوماسية في عدن فور وصول هادي إليها، والعدول عن استقالته الجبرية التي أعلن عنها في صنعاء، وإعلانه العاصمة صنعاء مدينة محتلة، وبالمقابل إعلانه عدن العاصمة المؤقتة لليمن لحين تحرير شقيقتها الشمالية من أيدي الحوثيين. في اعتراف واضح بأن التمثيل الدبلوماسي لهما سيكون منبعه من حيث يكون مقر حكم هادي الرئيس الشرعي لليمن، وهذا ما جعل الحوثيين في حالة من الجنون؛ لأن دعم دول الخليج لشرعية هادي -لا سيما السعودية ذات الثقل الخليجي والعربي على حد سواء- يمثل لهم «لطمة قوية» ليست كاللطمات التي يعبرون بها عن الولاء لمذهبهم الذي تغذيه إيران من مقاماتها المقدسة هناك، ولذا ليس بالغريب، بل من المتوقع جداً، أن يكثف الحوثيون هجومهم على خطوة قطر والسعودية في نقل سفارتيهما من صنعاء إلى عدن، واعتبار هاتين الدولتين من ضمن الأعداء الأوائل للوجود الحوثي في الجهة الجنوبية من شبه الجزيرة العربية، وعليه لم يكن من المستغرب خروج عبدالملك الحوثي بعدها، وهو من أكبر المغررين للشعب اليمني، في خطاب أقل ما يقال عنه (دراماتيكي) يفتقر للحبكة الفنية التي عادة ما تميز خطابات الغزاة، حاول فيه إسباغ صفة الإنسانية على جماعته، وأن العائق الذي يقف أمام نهضة شعب اليمن هو جهله بأهلية من يحكمه، وبالطبع فإن الحوثيين هم الفئة المناسبة لهذه الخطوة التي تأخرت كثيراً بحسب قوله.
ويبدو أن الحوثي يتابع باهتمام شديد وإعجاب واضح «تسريبات» أصدقائه في «عصابة الترامادول»، حيث بدا تأثيرهم عليه في أقواله، بتسمية الانقلاب «ثورة»، والبلطجة «حراك شعبي»، فضلاً عن أن تأثير «النهج الترامادولي» عليه بدا أيضاً في خطابه المرتجل الذي حمل سلسلة من الترهات في حق المملكة العربية السعودية، وتأليب ما قد يثير نزعة الكره الشعبي ضدها، وهي التي تضم الملايين من أبناء اليمن المغتربين، والذين جعلوا من المملكة وطنهم الثاني، كما لم ينس هذا الحوثي المتحذلق أن يضع قطر في مقدمة الدول التي تعادي الوجود الحوثي باليمن، وأنها رغم شعاراتها بوقوفها بجانب ثورات الشعوب العربية إلا أنها تقف اليوم ضد «ثورة اليمنيين» في القبول بالحوثيين حكاماً جدداً لليمن، وأنهم سيكونون سيف الشعب الذي سيضرب كل مظاهر الفساد في البلاد، وسيعيدون ثروات الشعب إلى خزائنهم المنهوبة ممن حكمهم سابقاً.
وهذا كله يمكن أن يعزف على أوتار مشاعر اليمنيين المتشوقين فعلاً لمن يخرجهم من قعر الفقر والجهل إلى وديان الغنى والمعرفة، لكنه لا يمكن أن ينطلي على السواد الأعظم منهم في معرفتهم بحقيقة الحوثيين، وأن من يقف وراء تلونهم وقوتهم هي إيران التي لا تخفي أطماعها في منطقة الخليج، وتحاول مد أذرعها في كافة الدول العربية، بعد أن زرعت خلاياها في العراق، واستطاعت أن تجد لها ممراتها العلنية في محافظاتها، حتى إن رئيس الحكومة العراقية دافع عن تواجد إيران في بلاده، في دلالة واضحة على أن إيران قد تمكنت تماماً من السيطرة على هذا البلد، ومثله ما يجري اليوم في سوريا التي تحولت ثورتها إلى مجرد قتال ونزاعات وحرب خرجت بها من دائرة الثورة الشعبية، ليضيع هتاف الملايين «الشعب يريد إسقاط النظام»، ويؤول الوضع إلى تهجير وتشريد وقتل وتفجير وإبادة علنية للشعب السوري المغلوب على أمره. وعملت إيران من خلال قواتها ومعسكرات التدريب لأفرادها هناك على تثبيت أقدامها بمساندة بشار الأسد، وقتل أهل السنة وقوى المعارضة هناك، كما فعلت في لبنان، في الوقت الذي تجري فيه مغازلة صريحة إيرانية- مصرية هدفها قيام علاقات وثيقة بينهما.
واليوم يأتي اليمن ليشهد الوجود الإيراني الصريح على أرضه، وسيطرة أذنابه -التي يمثلها الحوثيون- مما ترتب عليه هذا الوضع المؤلم الذي نراه اليوم في اليمن.
واللافت في الأمر أن روسيا التي تدعم نظام الأسد وتتفق مع إيران على بقائه ونصرته، نجدها تقف مع شرعية الرئيس هادي كحاكم فعلي للبلاد، كما أوضح هذا بوتن لهادي، وأعلنت أنها ستضمن تواجد الحوثيين في الحوار الوطني بالرياض، رغم رفض الحوثيين القيام بهذه الخطوة منذ البداية. لذا لا يبدو أن فيهم من يفكر جيداً ويرى الأمور بالصورة الصحيحة التي يجب أن تُرى بها، وهي أنهم سيعيشون عزلة حقيقية إذا لم يوافقوا على استمرار الحوار مع حكومة هادي، وأنهم يقفون على أرض قبائل ترفض وجودهم، ويتواجد السلاح فيها أكثر مما يتواجد الطعام، حيث يلهو به الصغير هناك كما يلهو أطفال العالم بلعبهم البريئة، أي إنهم يقفون على أرض تختزن براكين من الغضب الشعبي، منذرة أن تنفجر يوماً، مهددة وجودهم من الداخل، وليس من خارج اليمن، وهو ما ينبغي أن يقلقوا بشأنه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.