الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:06 م بتوقيت الدوحة

متى نبدأ تنظيف درج الفساد..!

متى نبدأ تنظيف درج الفساد..!
متى نبدأ تنظيف درج الفساد..!
كثُر الحديث مؤخراً، محلياً وإقليمياً، عن الفساد ومحاربته بعد تبني وإطلاق النيابة العامة في قطر لحملة محاربة الفساد التي اتخذت لها شعار «أسمع.. أرى.. أتكلم» وتبني جهود وحملات مماثلة في الدول الشقيقة في إطار المحافظة على المال العام، وسعياً للشفافية في المحاسبة والمساءلة.
الغريب.. أنه ورغم تعطش الرأي العام إجمالاً ومنذ عقود لمحاربة الفساد وأهله رسمياً.. إلا أنه عندما تم الإعلان عنه لم يحظ بالقبول قدر التشكيك! فما زال الرأي العام ليس متخوفاً تارة ومتردداً تارة أخرى من الإقدام على المشاركة في هذه الحملة من باب أن «من يُحارب الفساد.. سيُحارب»، مستشهدين في ذلك برموز التاريخ في هذا المجال. بل ذهب الرأي العام إلى التشكيك في هذه الحملات، كونها لا تتعدى مجرد «شعارات» سينالها «فقراء الواسطة»، وسيفلت منها كالمعتاد «هوامير القوم».. إما لاستغلالهم ثغرات القانون.. أو لحمايتهم من قبل قانون «الفزعة»!
وبغض النظر عن تأييد أو رفض أو حيادية الرأي العام من الفساد ومحاربته، يتوجب علينا قبل الحكم على جدوى حملة «محاربة الفساد» أن نتساءل.. هل احترفنا الفساد.. وربما احتكرناه لدرجة جعلتنا نتوارثه جيلاً بعد جيل.. وجعلته ينتقل كالفيروس المُعدي من مجتمع لآخر عبر التاريخ؟! وهل أصبح سلوك الفساد.. ومظاهره.. وأشكاله.. ثقافته وممارساته.. مقبولاً شكلياً وضمنياً تحت مسميات أخرى كالواسطة و»الهدية» والفزعة و»انا واخوي على الغريب»! وربما أصبح مقبولاً كمجرد شعار مؤسسي.. وربما كسلعة يتاجر بها بعض الكيانات المؤسسية والأشخاص متناقضي القول والفعل؟!
إن تصنيف المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً حسب معايير ومؤشرات الأمم المتحدة ومنظماتها إما أن تكون في «الدرك الأسفل»، عفواً أقصد المتخلفة.. أو وسط «درج» التقدم، أو على قمته. ولهذا، فالمجتمعات دائماً ما تبحث عن الصعود إلى أعلى الدرج، الأمر الذي يتطلب من كل مجتمع فحص وتقييم وتقويم، ومن ثم تطوير «كفاءة وجودة» درج/سلم التقدم، وفقاً لرؤية ورسالة واضحة وبنية هيكلية مؤسسية قانونية نزيهة، للارتقاء على «درج التقدم» خطوة.. خطوة.. وذلك بهدف الإجابة عن التساؤلين التاليين: هل تم تغيير الواقع المؤسسي والمجتمعي للأحسن أم تم تغيير الواقع المعيشي لأصحاب السُلطة والقوة؟ وهل تم صعود درجة أعلى في سُلم التنمية أم تم تغيير الأشخاص المسؤولين عن درجات الصمود؟ ومن هنا فقط.. تُثار تساؤلات التاريخ الذي شهد تسجيل أحداث وسيناريوهات مماثلة، وإن اختلف أبطالها ومُخرجوها.. كيف ومتى ولماذا يتم استغلال السُلطة والقانون والنظام وهدر المال العام من قبل «البعض» لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية؟! وكيف يتم محاسبتهم ومساءلتهم مؤسسياً وقانونياً؟ ولماذا يتم التغاضي عن بعضهم وإجرام بعضهم؟ وتتعدد كيف.. ولماذا.. ومتى..؟! وفي هذا يقول رئيس وزراء سنغافورة السابق لي كوان يو «تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج.. يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل!

متى نبدأ تنظيف الفساد من أعلى الدرج؟!
ما يحدث حالياً، أن تنظيف الفساد يبدأ من أسفل الدرج أولاً.. تنظيفاً قانونياً يخضع بـ «المسطرة والقلم» لمبادئ المحاسبة والمساءلة!
ففساد أسفل الدرج قد يتمثل في محاسبة ومعاقبة الموظف غير الملتزم بدوامه.. أو الموظف المستهتر المتسيب غير المنتج، ولكن بالتأكيد ليس المدير المستهتر المتسيب.. أو مدير «الشو»! وقد يتمثل في تشييع ثقافة «توجيهات من فوق» و»أنا جاي من طرف..» في حجز غرفة في المستشفى أو لضمان سرعة الحصول على خدمة ما! وقد يكون في إغلاق المخبز الصغير القريب من منزلك لغشه التجاري في مكيال القمح، ولكننا لا نقصد أبداً المخبز الراقي في فندق الخمس نجوم! أو إغلاق العيادة التي ترفع الأسعار على المرضى مع كل التقدير والتشجيع والدعم للمستشفى الذي يتلاعب بالتأمين الصحي.. وصحة المرضى وسلامتهم! وفساد أسفل الدرج قد يكون في إغلاق «كراج الفريج» لاستخدامه قطع غيار غير أصلية.. وحاشا لله أن نقصد بذلك وكالة السيارات التي تبيع سياراتها المستعملة على أنها جديدة!
عفواً..
ألا يتجسد الفساد في «ملكية» هذا أو تلك لكرسي الوزارة أو المؤسسة التي يديرها، فيقوم بتعيين وترقية «من حبته عينه» من أهله وأقاربه ومعارفه «لخدمة الوطن»! أليس فساداً بعينه من يقوم بترسية المناقصات من الباطن على إحدى شركاته أو شركات «بني عشيرته»..! وهل هو «ترفيه من المال العام» أن يقوم «أحدهم» بالخروج في مهمات رسمية وأفراد عشيرته طوال العام متجاوزاً بذلك قوانين الموارد البشرية في مؤسسته.. وحال عين المدقق الداخلي تقول.. لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم! وماذا عن ذلك الذي بلغ عن فساد إداري ومالي في إدارة ما، فتم تحويله للتقاعد لأنه وثّق ما «رأى.. وسمع»، فتم إحالته إلى الموت.. قاعداً! أو ذاك الذي كتب تقريراً عن فساد مماثل في جهة عمله فتمت محاربته مهنياً وإعلامياً ومجتمعياً! وما رأيكم في حفظ وتعطيل وتأخير البت في العديد من شكاوى الإرث والطلاق والنفقة والنصب والاحتيال وغيرها في مراكز الأمن والقضاء من قبل المؤتمنين «فزعة» المشتكى عليهم؟ أليس فساداً صرف موازنات الدولة في الربع المالي الأخير من أجل صرفها وعدم إرجاعها إلى «خزينة المال العام»! أليس فساداً تداخل الاختصاصات والأدوار والمهام بين العديد من المؤسسات.. وبموازنات باهظة وهياكل مُكلفة.. وخبراء «منتهية خدماتهم»! أليس فساداً بقاء بعض المشاريع لسنوات «عجاف» دون أي حراك.. اللهم إلا حراك هدر المال العام؟! أليس فساداً إغلاق الحدائق والمتنزهات التي كلفت الملايين دون استغلال لها.. وتعبيد الشوارع والطرقات وتشجيرها ثم إعادة هدمها «لحاجة في نفس» مسؤوليها ومقاوليها.. وربما لإغفال أو تقصير القائمين عليها؟! وهل الفساد هو ذلك الخبر المنشور من قبل إحدى الصحف المحلية التي أشارت فيه «بغموض ورموز» إلى فساد مجلس إدارة الشركة «الفلانية» والذي استولى بعض أعضائه على أموال المساهمين واستثمارها لمصالحهم الشخصية؟! أليس فساداً ضياع عمر «مواطن ما.. أو أرملة أو مُطلقة» في سباقهم للحصول على أرض وقرض.. ذهبت لغيرهم «سهلة مُيسرة دون عناء» لأنه ابن فلان أو يعرف فلان؟! وهل يمكن لنا القول إن الفساد يتجدد كل بداية عام دراسي في تكدس أولياء الأمور لاستجداء «القبول» لأبنائهم في المدارس والجامعات والوزارات والمؤسسات؟! وتطول.. وستطول تساؤلات البحث عن فساد أعلى الدرج!!! فمتى نبدأ تنظيف درج الفساد من الأعلى؟!
ويحضرني هنا ما ذهب إليه مايكل جونستون في كتابه «متلازمة الفساد» والذي قرأته منذ سنوات، وبما معناه أنه «عندما تعمل نخب الدولة في بيئة المؤسسات الضعيقة والهشة وقدر محدود من المنافسة السياسية وتوسع في الفرص الاقتصادية، فإن المجال يصبح مفتوحاً للفساد والإفلات من العقوبة والمحاسبة والمساءلة. وهنا نجد أنفسنا أمام متلازمة «المسؤولين الحكوميين»، حيث يمسكون هم والشخصيات السياسية وأقرباؤهم وأهلهم والمقربون منهم بكل الأوراق، وبما يساهم بشكل رئيسي في تشويه وتأخير التنمية الاقتصادية والسياسية من خلال التلاعب والتحكم في أسواق النفوذ والسُلطة والقانون والنظام لمصالحهم ومكاسبهم»! ومن هنا تحديداً.. تبدأ مؤسسة الدولة في التحول الفعلي إلى ثقافة وممارسات «عدم هيبة وقيمة القانون فيها».. ببساطة لأن أعلى الدرج.. هو أعلى قمة للفساد!
فمتى نبدأ تنظيف درج الفساد من الأعلى!

أخر الكلام..
محاربة الفساد واجب ديني وطني مجتمعي.. وليس حكراً على جهة أو مؤسسة أو شخص.. ولن تكون محاربة الفساد أبداً من خلال الشعارات أو حملة أو مقرر دراسي أو مقال.. فجهود ومبادرات الإصلاح في محاربة الفساد لن تكفي وحدها، ما لم ترافقها العدالة أولاً ثم المساواة ثانياً في التنفيذ والتطبيق! فمتى نبدأ تنظيف الدرج من الأعلى نزولاً للأسفل!
التعليقات

بواسطة : خالد دلبح

الخميس، 01 نوفمبر 2018 08:14 م

رائع المقال بروعة الفكر الناضج لكاتبته