الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
12:02 م بتوقيت الدوحة

شارلي إيبدو وما بعد العلمانية

شارلي إيبدو وما بعد العلمانية
شارلي إيبدو وما بعد العلمانية
ادثة مقتل صحافيي شارلي إيبدو الفرنسية على يد أشخاص ادعوا لاحقا انتسابهم للإسلام، ذلك أن إزهاق الروح الإنسانية أمر فظيع اعتبره الإسلام مساويا لقتل البشرية جمعاء، بيد أن ما هو أكثر إثارة للدهشة هو سماح الحكومة الفرنسية لمجلة شارلي إيبدو بالاستمرار في نشر الرسوم المسيئة للإسلام والمسيحية، باعتبار أن القانون الفرنسي يعتبر ذلك جزءا من حرية التعبير، في المقابل ترفض فرنسا رفض قاطعا أي حديث عن اليهود انطلاقا من قانون حظر معاداة السامية.
هنا يحضر سؤال جوهري حول أيهما أحق بالاحترام والتقديم، القانون أم القيم والأخلاق والأديان، ولأن الغرب عامة وفرنسا خاصة اختارت الرأسمالية الليبرالية منهجا والعلمانية دستورا فهي بالتالي قد حسمت أمرها في تقديم القانون على الدين والأخلاق والقيم. فهل جلبت العلمانية المجردة من الأخلاق السعادة لفرنسا، وهل أدى تحجيم الدين والقيم في الدول الغربية إلى الراحة خاصة مع توفر كل عوامل الترفيه والمتعة، أم هوت العلمانية بهذا الغرب إلى التعاسة الأبدية والإفلاس.
في عام 2004م حدث حوار هام بين الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس وبابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر جوزيف راتزنجر، وقد تركز الحوار حول جدلية العلمنة وضرورة التوفيق بين العقل والدين. أكد الفيلسوف هابرماس في هذا الحوار أن على الفلسفة أن تتواضع، وأن عليها أن تكون مستعدة للتعلم من الوحي، وأقر هابرماس بأن المتدينين و «الجماعات الدينية» استطاعت الحفاظ على أشياء لا يمكن استرجاعها عن طريق العلم وحده، كما أقر أن الرأسمالية والسلطة العلمانية تقضي على التضامن الاجتماعي والسلوك المتعلق بالقيم، لذلك دعا هابرماس إلى تجاوز اللحظة العلمانية، وتأسيس عصر «ما بعد العلمانية»، وهو العصر الذي ينبغي فيه الاعتراف فيه بالأديان وبوجود المؤمنين «الجماعات الدينية» وتأثيرهما في إنتاج الدوافع والتصورات.
بدوره أكد بابا الفاتيكان جوزيف راتزنجر على أن هناك شكوكا حقيقة في القدرة المطلقة للعقل العلماني، بل وحتى في صلاحيته بعدما أنتج السلاح النووي القادر على فناء الإنسانية، وبعد قيامه بإجراء تجارب جينية للتخلص من الإنسان غير الصالح، وشدد راتزنجر على وجوب أن يقاد العقل العلماني إلى حدوده، وأن عليه أن يكون مستعدا للإنصات للوحي الديني، وأن العقل والدين مطالبان اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى التطهر والتطبيب والاعتراف المتبادل.
إن موقف السلطات الفرنسية المدافع عن حق صحيفة شارلي إيبدو في الاعتداء على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والاعتداء على الإسلام والمسلمين، في مقابل موقفها الحازم ضد محاولة هذه الجريدة أو غيرها للحديث عن اليهود أو حادثة الهلوكوست يكشف بشكل سافر الفجوة العميقة التي تعيشها الدول العلمانية بين تقديس القانون وتهميش الأخلاق والدين والقيم.
ليست القوانين سوى تشريعات وضعت من قبل المؤسسات البرلمانية التي تهيمن عليها المؤسسات الرأسمالية والشركات الكبرى العابرة للقارات، وأغلب هذه الشركات تخضع لنفوذ اللوبي المالي اليهودي في أوروبا وأميركا، لذلك دائما ما تجد القوانين الغربية موجهة لخدمة تلك الشركات والأيديولوجيا الصهيونية التي تقف وراءها، والقانون العلماني الفرنسي هو أحد نماذج تلك القوانين الموجهة لحماية الهيمنة الصهيونية عالميا وتسليط الأيدي الغليظة لجنودها من صحافيين وكتاب ورسامين وناشطين ضد كل محاولة للخلاص من تلك الهيمنة.
إضافة إلى أن القانون العلماني المجرد من الأخلاق والقيم يجعل الإنسان أشبه بالآلة، حيث لا يجد ذلك الإنسان أي التزام روحي اتجاه الآخر إلا في حضور قوة القانون التي تمثلها السلطة، وحين تغيب تلك القوة أو حين تصاب بالوهن والفساد يتجرد الإنسان من التزامه القانوني حيال الآخر مما يؤدي إلى انهيار المجتمع، بينما لا يحتاج الإنسان المحصن بالقيم والأخلاق إلى القانون إلا لحفظ حقه من اعتداء الأشخاص المجردين من القيم، وبالتالي تكون القيم والأخلاق هي الضمانة الحقيقية لاستمرار القانون وحضوره سواء أكانت السلطة حاضرة أم غائبة، وسواء أكانت ضعيفة أم فاسدة.
لذلك تعاني المجتمعات العلمانية التي قدست القانون على حسب القيم والأخلاق والدين من انتشار جرائم القتل والاعتداء البدني بشتى أنواعه، كالسرقة والسطو والاغتصاب، هذه الجرائم لم تستطع السلطات العلمانية أن تحد منها حتى من خلال زيادة أعداد رجال الأمن ونشر كاميرات المراقبة في الشوارع والطرقات، هذا فضلا عن الانشطار الروحي العميق الذي عبر عنه الفيلسوف الإنجليزي كولون ولسون بالقول «تبدو الثقافة الغربية تعاني من الانهيار والانتكاس لما لا يقل عن مئة سنة، إذ إن الأمر ليس إلا مسألة تفكير في معرفة المدة التي تستمر فيها قبل أن يلتهمها الإفلاس الماحق». وموقف فرنسا المقدس للقانون المجرد من الأخلاق والذي يسمح بترويج خطابات الكراهية ضد شريحة كبيرة من مواطنيها المسلمين والمسحيين وضد مليارات المسلمين والمسحيين خارجها لهو أحد نماذج هذا الانهيار والانتكاس بل والإفلاس الماحق الذي تحدث عنه كولن ولسون.
إن فرنسا اليوم والغرب بحاجة إلى إعادة النظر في مبادئ الثورة الفرنسية التي قامت لأجل تحرير الإنسان واحترامه لا من أجل جعله عبدا للقوانين اللاأخلاقية والمجحفة والتي تتلاعب بها المؤسسات الرأسمالية الكبرى، يجب على الغرب ألا يهمل الوصفة العلاجية التي قدمها الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس وبابا الكنيسة جوزيف راتزنجر لإنقاذ مجتمعاته من حالة التيه الروحي والعدمية التي تفترسها، والتي تسببت العلمانية في نشرها وتعميمها. إن الغرب بحاجة اليوم إلى الدين أكثر من أي وقت مضى، لأن مصير أي مجتمع من دون الدين والقيم والأخلاق سيكون الانحلال والتفكك والتلاشي والإفلاس الماحق الذي أنذر به كولن ولسون. لذلك لا حل للغرب إلا بتجاوز العلمانية والتحليق عاليا في فضاء القيم والأخلاق وما بعد العلمانية.

? almuharrmi@gmail.com
التعليقات

بواسطة : مازن

الأحد، 08 فبراير 2015 07:08 م

في نظري فرنسا دوله عنصريه وليست علمانيه