الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
01:59 م بتوقيت الدوحة

فيض الخاطر

الرقص مع الذئاب

الرقص مع الذئاب
الرقص مع الذئاب
الفيلم العالمي للبطل الشهير كيفن كوستنر، والذي حصل على جوائز الأوسكار، يلخص فكرة ضابط أميركي كان يعتقد بوحشية الهنود الحمر، ولكنه ذهل عندما أجبرته الظروف أن يتعايش معهم، فوجدهم على نقيض ما كان يعرفه عنهم، ومن خلال الفيلم كانت هناك لقطة توضح بطل الفيلم كيف تآلف مع الذئاب وأصبح يرقص معهم، في إشارة في قمة الروعة أن من نتصور أنهم ذئاب يمكن التعايش معهم، وتستحيل الحياة مع من نتخيل أنه حمل وديع.
أنا وجدت الفيلم يعبر عن فكرة راقية جداً، هي أننا نتعامل في الحياة مع كل شيء على حسب ما كوناه من أفكار أو سمعناه، بينما نفتقد إلى صدق التجربة التي تنقلنا إلى عالم الحقيقة.
وهذا ما يحدث حتى على مستوى الأفكار العالمية عن المسلمين، فالكل لا يستطيع أن يراهم إلا قتلة أصحاب كأس، وامرأة وأموالاً تهدر بغير وجه حق، وعندما تناقش فكرة لماذا الآخرون بصورة سلبية جُل الدراسات تنصب على تجريم اليهود، وأنهم ملاك الإعلام، وهم من شوهوا صورة الإسلام، وأعطوا انطباعات سيئة عن المسلمين!
لو كان الأمر فقط كما يقولون لكان علينا أن نصفق لليهود، فهم أمة منظمة تعرف ما تريد وكيف تصيب عدوها في مقتل.
ولكن القضية أبعد من ذلك بكثير، لأن أكثر الشعوب إنما كونت أفكارها عن المسلمين ممن يدعون أنهم مسلمون.
تملؤني الحسرة عندما أجد محاضرات بمنتهى الروعة لكبار علماء المسلمين على النت، ولا توجد محاضرة مترجمة إلى عدة لغات، لأن أصحاب الأموال لا يستسيغون المردود المعنوي من جبال الحسنات، بينما نجد برامج منوعات وأغاني ماجنة مترجمة إلى عدة لغات، بحجة أن الفن لغة عالمية، هناك ثمانون مليون مشاهد على مستوى العالم يتابعون باهتمام مواهب العرب والمسلمين الفنية، بينما لا يتابع ألف مشاهد نتاج عقولهم وعصارة أبحاثهم.
يؤسفني عند الدخول إلى المواقع على النت عدم الوجود الحقيقي للمسلمين، لا في برامج حوارية تستهدف الفكر العالمي أو المقارنة بين الأديان إلا فيما ندر من العلماء المسلمين غير العرب، العالم الآخر لا يرانا إلا في صورتين، إما نغني ونرقص (دنيا طرب) أو نقتل ونستبيح الدماء.
وبرامجنا كلها نسخ مكررة مملة وتافهة لا تسمن ولا تغني من جوع.
نحن لا نستطيع حتى تعميم أهم شعار للمسلمين «أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله» في كل أمورنا عند مداخل قاعاتنا ومدارسنا ونقوشاتنا وشاشات السيارات، وأول كلمة تظهر على أي موقع عربي إسلامي وعلى شاشات جوالاتنا، هم يجعلون الصليب في كل شيء، في ماركاتهم، في شعاراتهم، على أغلفة كتبهم، ثم يقولون لنا نحن علمانيون، ولعمري إنها شعارات تستخف بعقولنا، هم شديدو التدين حتى أكبر عرابيهم يؤمن بصليبهم وكنيسهم، بينما تختفي كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» إلا من أذكار الصباح والمساء والمساجد.
هل تجدون شاشة تتبع لدولة تضع صورة الكعبة في أعلى الشاشة ولو صغيرة؟ فما اعتادت العين رؤيته أحبته، لماذا كل الطقوس الدينية على شاشات القنوات الإسلامية وكأننا ننفصل عن الحياة العامة عند المباشرة في الأوقات الدينية، حتى مسلسلات الأطفال لا نسمع فيها إلا أجراس الكنائس؟ أين كلمة التوحيد؟ لماذا نرفع إصبعنا بعلامة اثنين وتقولون إن معناها النصر أو الشهادة، مع أنه يفترض أن لا نرفع إلا أصبعاً واحداً والذي يعني لا إله إلا الله، حتى إنني لا أجد معنى لكلمة النصر أو الشهادة، لأنني ممكن أن أنتصر وأستشهد في نفس الوقت؟ ليست هذه بدائل معبرة حقيقة عن الدين، نحن في أرض المعركة نبحث عن شيء واحد فقط إعلاء كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» إذاً علينا أن نرفع السبابة كما في التشهد، هذا هو الرمز الحقيقي للمسلمين، نريد أن نصنع ثقافة تليق بنا، هل وضعنا هذه العلامة فقط دون كلمات على كل صادراتنا ووارداتنا وشاشاتنا وكتبنا؟ هل تشرّب هذه العلامة العقيدية أبناؤنا؟
كم كنت أعشق الطريقة التي تناقش بها العالم الكبير الراحل أحمد ديدات مع كل القساوسة والرهبان، لماذا عندما نجالسهم ننبهر بتفكيرهم ونحقر من أنفسنا؟ وكم آلمني عندما أتيح لي حضور مؤتمر «وايز»، ورقة قدمها الدكتور «؟»، أشار فيها إلى أن ضعف الإبداع ربما كان سببه «التابو» الديني أو الثقافة الدينية التي تحرم دائرة التعرض لأشخاص أو أفكار، أو ربما يكون سبب ضعف الإبداع عدم تحررهم من الكتابة باللغة العربية؟!! وربما الكتابة باللهجة العامية ستنتج لهم إبداعاً متحرراً من القيود؟!!
أنتم تشيرون دائماً بأصابع الاتهام للغرب واليهود، وتتناسون أننا المتسببون في تهميشنا التاريخي والإنساني، هل فعلاً إننا إذا تحررنا من اللغة العربية وكتبنا بالعامية سنتصدر العالم بإبداعاتنا؟ عن أي «تابو» ديني تتحدث وكتابنا الذي نتعبد به إلى الله عاتب النبي في ثلاثة مواضع.. ووصل علماء المسلمين إلى قمة العلم في القرن الرابع الهجري؟
نحن نتصور أن أعداءنا ذئاب، ولكن أعداءنا يمكننا أن نتعايش معهم ونقنعهم بأفكارنا، وربما ينضمون إلى ديننا ونصرتنا بمنتهى السهولة «الرقص مع الذئاب»، بينما نعجز عن ذلك مع من نتصور أنهم أبناء الإسلام الحمل الوديع.
تحياتي لكل أبناء الإسلام الذين حملوا على عاتقهم نصرة الإسلام أو شعاراً أو فكرة.

وقفة:
الماسونية العالمية استطاعت أن تروج لعبارة أن الكل للواحد والواحد للكل، حتى في برامج الأطفال، بينما نعجز عن تعميم شعار المسلمين الأول الواحد بالسبابة لا إلا اله إلا الله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

غبار الأفكار

19 نوفمبر 2015

إثر حادث أليم

12 نوفمبر 2015

قطري ليس من قطر

19 مارس 2015

القيادة الجهنمية

22 يناير 2015

فلسفة الموت والحياة

15 يناير 2015

اعتزلنا يا.. دكتور

01 يناير 2015