الأربعاء 19 ذو الحجة / 21 أغسطس 2019
09:21 م بتوقيت الدوحة

فيض الخاطر

اعتزلنا يا.. دكتور

اعتزلنا يا.. دكتور
اعتزلنا يا.. دكتور
يتناقل الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة «الواتس آب» الكثير من المعلومات العلمية والفيديوهات التي تروج لفكرة ما أو محاضرة أو تعليق.... إلخ، والمشكلة الكبرى أن الناس بدؤوا يتداولون المعلومات دون تدقيق أو تمحيص، أو حتى تحرٍ لصحة المعلومة، والكل يعتقد أنه بذلك ينشر العلم، بينما هو يساهم بشكل رئيسي ودون قصد في تضليل العقول، وخاصة فيما يتعلق بالآراء الدينية والتي تمثل منهج الحياة، والتي يجب على المسلمين أن لا يقبلوها على علاتها، وأن لا يسمحوا لأحد كائناً من كان بالعبث بها وتشويش أفكارهم ومعتقداتهم، وحجتهم في ذلك ضعف معرفتهم وعلمهم، بينما علينا أن لا ننسى أننا الأمة التي خاطبها القرآن بالكلمات التالية «أفلا يتدبرون»، «أفلا ينظرون»، ولن نسمح بأن يخرج علينا من يتشدق بأفكار قد اتضح فسادها وبطلان حجتها لمن أراد أن يكون متبصراً، وعلى معرفة يقينية بالخطوط الرئيسية والعامة لهذا الدين، ربما لا أحمل أية درجة علمية تضاهي دكتوراً في الرياضيات والفيزياء، وربما لا يتقدم اسمي ألقاب علمية، ولكنني أؤمن بدين عظيم نقل عقول وأحلام الرجال في العصر الجاهلي إلى قيادة العالم، فاستوعبوا العالم، واستوعبوا الحضارات، بل كانوا ملهمين إلى درجة تثير العجب والدهشة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، والذي تجاوز بعقليته عقول جبابرة الأرض، وخاصة فيما يتعلق بحادثتي الإسراء والمعراج.
أنا أنتمي إلى أمة حوت بين جنباتها أعظم المفكرين والأئمة والقضاة والكتاب والشعراء والمنظرين والفقهاء، ويكفيني فخراً أننا ننتمي إلى أمة وصل علم علمائها في القرن الرابع الهجري إلى تصور أنه ربما تكون هناك في الفضاء الخارجي مخلوقات غير البشر، استناداً إلى قوله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ»..
نحن الأمة التي لم يصادر دينها العقل، بل دعا إلى استثماره بشكل جيد للتعرف على كل أدوات الكون، والتي حتماً لو استخدمها الإنسان ووظفها بشكل جيد ستقوده إلى معرفة الله. ولكن تمجيد العقل والإيمان بكل نتائجه كارثة دينية، لأننا بالتأكيد لن ندرك كل شيء بعقولنا، ولا حتى نستطيع تفسيره، وهذا ما يسمى بإشارات كونية أو ظواهر كونية ليس لها تفسير، وإنما مَن شرحها وفسرها هم الأنبياء بحكم تلقيهم الوحي الذي كان الدليل الأكبر في فهم كل ما يحيط بنا: «وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ».
والعلماء الذين أبهروا بقوة علمهم وعقلهم موجودون على مر التاريخ الإسلامي، وليسوا ظاهرة جديدة، وعلى رأسهم واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وأذكى تلاميذ الحسن البصري سيد التابعين، أصّل الإيمان بهذا الدين أنه عقل ونقل، أما إنني أناقض كل ما جاء في النقل لأن عقلي لا يستطيع أو لا يريد أو لا يوافق على ما جاء به النقل، فهذا والله مضيعة العلم الديني والعلماء في الأمة، وما عرض الإمام أحمد بن حنبل للسجن والجلد إلا أمثال هؤلاء الذين أعملوا عقلهم بشكل مفرط أخرجهم من دائرة الدين ومن دائرة المنطق، والمشكلة الكبرى أن يؤمن كبراء القوم بنظرياتهم ويتيحوا لهم البرامج ليعلنوا آراءهم وفلسفتهم الفاسدة، وما هم عن المأمون ببعيد، علماً بأن المأمون كان من أشد الخلفاء العباسيين علماً ومعرفة وذكاء وتوقداً، ولكن إيمانه بمثل هؤلاء العلماء أفسد دينه وجعله يعرض كبار علماء المسلمين لمحنة «خلق القرآن»، والتي امتدت إلى عصر المعتصم والواثق، وقتل بسببها مالك بن نصر الخزاعي حتى أنهاها المتوكل.
وهكذا نحن في كل عصر، يخرج علينا من يسحر الناس بقوله ومعرفته، ويقدم لنفسه على أنه الرجل الذي قضى العمر في دراسة الإسلام وتوصل إلى معلومات تدل على الإعجاز العلمي في القرآن، نظراً إلى فخامة شهاداته.
عذراً يا دكتور.. هذه الأمة إذا كانت تقرأ كتاب الله وتتدبر آياته فجاهلها عالم، لأنها تتعبد إلى الله بأعظم كتاب على وجه الأرض يمكنها من استيعاب كل مفردات الكون، بل التنبؤ بها، ولكن في حدود المعرفة الدينية.
واسمح لي فقد تعلمت منذ نعومة أظافري أن أحترم العلماء وأقدر رأيهم، ولكن تعلمت من أبي أيضاً أن أحترم عقليتي ولا آخذ الأمور على علاتها، دون أن أبحث أو أدقق حتى أعبد الله كما أرادني أن أعبده، وليس وفق ما أريده أنا.
يا دكتور.. راجع نفسك في معلوماتك، هل صحيح أن يأجوج ومأجوج غير موجودين في زماننا، لأن «جوجل إيرث» اكتشف كل موقع على الأرض فأين هم؟!! هل تعتقد أن الله سيعجزه أن يخفي مكانهم؟!! ألم تقرأ في السيرة النبوية أن الرسول (ص) خرج أمام صناديد قريش عندما تربصوا به ليقتلوه، ووضع على رؤوسهم التراب ولم يروه، وهذا مثبت في حادثة الهجرة؟!!
ثانياً: ألا تعلم أن الأحاديث كلها وحتى علماء الجغرافيا -وقبل الجميع القرآن- أشاروا إلى وجودهم في المشرق، وتأتي لتقول لنا إنهم الجنود الأمريكان المستنسخون؟!! هل تعي ما تقول؟؟ أم أنك لم تقرأ «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا»؟
هل صحيح يا دكتور أن تفسيرك للآية «وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً» أنك كعالم فيزياء لا تجد إلا ممراً واحداً إلى السماء هو من بيت المقدس للعرب، واستشهدت أيضاً بوجود ممر واحد للاتحاد السوفيتي في كازاخستان وممر لناسا في المحيط الأطلسي إلخ..... ربما لا أعي شيئاً في فيزياء الفضاء، ولكن الآية لا تشير إلى الممرات الأرضية إلى السماء بقدر ما تشير إلى وجود عالم غير مرئي لنا في السماوات، والأبواب هنا هي للانتقال من سماء إلى سماء، كما ورد في رحلتي الإسراء والمعراج أن جبريل كان يطرق باب كل سماء فيؤذن له مع رسول الله لدخولها، أما الممرات الأرضية لبلوغ الفضاء الخارجي هل هي من خلال ممرات معينة إلى السماء؟ فنحن نريد توضيحاً من علماء الفيزياء وعلماء الفضاء الخارجي، لأن هناك التفافاً عقلياً على الآية وتفسيرها عند جميع علماء التفسير أنها أبواب السماوات التي بلغها الرسول (ص) مع جبريل، والسؤال المحير هل لا يمكن الوصول إلى الفضاء الخارجي إلا من خلال أبواب معينة في الكون، ولا يوجد باب لكل العرب إلا من فلسطين، لذلك كانت رحلة المعراج من فلسطين؟ ثم السؤال الثاني الذي بحثت عنه: هل عاد الرسول (ص) من نفس الباب إلى فلسطين.. أم أنه عاد إلى مكة؟ وإذا كان عاد إلى مكة فمن أي باب؟ لا ندعي أي علم ولكننا نحترز من أية معلومة قد يكذبها العلم بعد ذلك، فيعرض كل موروثات المسلمين ومعلوماتهم الثقافية والدينية للاهتزاز.
لسنا ضد العلم، ولكننا مع العلم المدعوم بأدلة، فكثير من المعلومات التي يدلي بها لا توافق عقلاً أو نقلاً، ونستطيع ببرهان ساطع وواضح بيان عدم صحتها، أما هذه المعلومة فهي تحتاج إلى علماء فضاء، وإن كنت قد بحثت في كتب التفسير، وكلها لا تشير إلى المكان الذي عاد إليه الرسول (ص) مباشرة، ولكن السؤال المهم: هل الملائكة إذا أرادت النزول من السماء إلى الأرض لا تمر إلا من خلال الأبواب التي ذكرها الدكتور في بحثه؟ أتوقع أن هذا البحث جدلي وجميع القضايا الجدلية عرضت الإسلام في كل العصور إلى انقسامات عقدية وفكرية خطيرة، كان على أثرها جميع الفرق الضالة، ولذلك فأفضل رد في القضايا الجدلية هو رد الإمام مالك الذي سُئل عن الاستواء، فقال «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة».
هذا هو الإيمان الحقيقي يا دكتور، أننا نعلم أن السماء لها أبواب، ولكن لا يوجد إلا الأبواب التي ذكرتها!! فهنا نقف لنقول لك كيف ستثبت ذلك؟ ما أعرفه حقيقة أن نبي الله عيسى سينزل في المسجد الأموي بسوريا ليقتل المسيح الدجال، ولا أعرف إذا كان سيمر بالباب الذي من فلسطين؟!! لذلك أرجو من وزير الثقافة ومن الجهات المختصة بالدولة أن تراجع هذه الأفكار قبل إعداد برامج لها والتسويق لنظرياتها، لأنها قد تؤدي إلى انزلاقات فكرية خطيرة، وربما إلى السقوط في حفرة من الضلالة.
تحياتي إلى كل علماء المسلمين على مر التاريخ الإسلامي، ورجائي من قسم الدراسات الإسلامية تهيئة جيل واع مثقف لديه القدرة على إدارة الحوارات الدينية والفكرية، والله من وراء القصد.
وقفة:
على المسلمين أن يتحروا الدقة في كل قراءاتهم، وخاصة فيما يتعلق بالدين، لأنها طريقنا إلى الله، والإسلام ليس دين آبائي وأجدادي فقط، بل هو اختياري الكامل لمعالم الحياة، التي أطمح باعتباري مسلماً للوصول إليها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

غبار الأفكار

19 نوفمبر 2015

إثر حادث أليم

12 نوفمبر 2015

قطري ليس من قطر

19 مارس 2015

القيادة الجهنمية

22 يناير 2015

فلسفة الموت والحياة

15 يناير 2015

الرقص مع الذئاب

08 يناير 2015