الأحد 12 شوال / 16 يونيو 2019
08:18 ص بتوقيت الدوحة

قمة الدوحة.. لبنة أولى في بنيان الاتحاد الخليجي

محمد حجي

الخميس، 11 ديسمبر 2014
قمة الدوحة.. لبنة أولى في بنيان الاتحاد الخليجي
قمة الدوحة.. لبنة أولى في بنيان الاتحاد الخليجي
منذ نشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربي قبل ما يقارب الأربعة عقود، والشارع الخليجي يتساءل عن رؤية واضحة تحدد طريق العمل الخليجي المشترك، كما أنه يتساءل عن أسباب تأخر الانطلاقة الحقيقية للمنظومة الخليجية المتمثلة في «الاتحاد»، الذي تقتضيه التحديات والتقلبات السياسية الخطيرة التي تشهدها المنطقة، فجاءت القمة الخليجية بالدوحة لتجيب عن هذه التساؤلات، ولتضع اللبنة الأولى في بنيان هذا الاتحاد المنشود من قبل الشعوب الخليجية.
مجلس التعاون الخليجي أنشئ ليبقى، حتى ولو كانت أسباب قيامه تعود لظروف أمنية، فقد استثمر المجلس هذه الظروف، وأصبح أكثر نضجاً من الناحية السياسية والاقتصادية، وأكثر ترابطاً بين شعوبه التي حرصت على عقد قمة قادة مجلس التعاون الخليجي في الدوحة، لتأكيد هذا الترابط، واتضح ذلك جلياً من خلال التمثيل العالي من قبل قادة مجلس التعاون، وسرعة إنجاز أعمال القمة في يوم واحد بعد أن كان مقرراً لها أن تستمر يومين، ما يدل على توافق قادة المجلس على الملفات والقضايا التي تم تناولها بالنقاش، كما أن وزراء الخارجية استطاعوا أن يقدموا بياناً به الكثير من التفاهم والتوافق تجاه مجمل القضايا التي تعني شعوب الخليج، والتطورات الإقليمية التي أصبح بعضها ليس ببعيد عن منطقتنا.
جاءت كلمة حضرة صاحب السمو الشيح تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى «حفظه الله» -الذي أدار أعمال القمة الخليجية بحكمة وحنكة سياسية عالية- لتؤكد حرص سموه الكبير على استمرار منظومة مجلس التعاون، وأنها في أولويات سلم السياسة القطرية، فقد قدم حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى في خطاب افتتاح القمة عرضاً شاملاً لوضع المنطقة، واستعرض تطلعات شعوب الخليج وآمالهم في تحقيق الاتحاد المنشود بعد التعاون المحمود. كما أكد سموه على الحفاظ على اللحمة الخليجية مهما كانت الظروف والاختلافات في وجهات النظر فقال: «تعلمنا التجارب الأخيرة ألا نسرع في تحويل الخلاف في الاجتهادات السياسية وفي تقدير الموقف السياسي، والتي قد تنشأ حتى بين القادة إلى خلافات تمس قطاعات اجتماعية واقتصادية وإعلامية وغيرها»، كما أضاف سموه: «فإذا لم تستمر آليات التعاون والتعاضد ومؤسساتهما بالعمل في مراحل الاختلاف بالرأي، فهذا يعني أننا لم ننجح في إرساء أسس متينة لهذه المنظمة بعد». وقال سموه في نفس الإطار: «إذا لم تكن علاقات شعوبنا الأخوية مفروغاً منها حتى في مراحل الأزمات فهذا يعني أن يبقى مجلس التعاون جسماً فوقياً، ثمة بديهيات في علاقات دول مجلس التعاون وشعوبه يجب ألا تكون موضع تساؤل في أي وقت».
كلنا نتطلع إلى منظومة خليجية حقيقية وفعالة على المستويين الإقليمي والدولي، تطبيقاً لمقولة إن المجلس هو المنظمة العربية الفاعلة، وهذا ما أكده حضرة صاحب السمو حين قال: «وحدها الممارسة التي تضع المشترك فوق المختلف عليه، وترفع التعاون فوق الخلاف، هي التي تحول مجلس التعاون الخليجي إلى كيان حقيقي وتبني مضموناً لمقولة إن المجلس هو المنظمة العربية الفاعلة على الساحة الإقليمية والدولية، ويحق لنا عندئذ أن نأمل أن تشكل نموذجاً للأطر العربية الأخرى».
التحديات والمخاطر التي تحيط بمجلس التعاون تطلب النظر للمستقبل وعدم الوقوف عند الماضي، وتلافي أية اختلافات في وجهات النظر، وعدم الانشغال بخلافات جانبية حول التفاصيل، هذا ما بينه سمو الأمير، كما قال: «لقد آن الأوان أن يحدد مجلس التعاون دوره وموقعه في الخريطة السياسية للإقليم بناء على مكانة دوله الاستراتيجية ومقدراتها ومصالحها المشتركة». وبيّن أن الدول الكبرى لا تنظر ولا تصغي للمناشدات الأخلاقية، وهي كما يبدو تتعامل بلغة المصالح فقط، ومع من يثبت قوته على الأرض في الإقليم.
وأعرب سمو الأمير عن أمله أن يتحرك مجلس التعاون الخليجي كرجل واحد إعمالاً لقول الله عز وجل: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، وأن يكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ما يؤكد حرص سموه على أن تتواصل مسيرة مجلس التعاون برؤية واضحة هدفها تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي للجميع، وأن تنعم شعوب المنطقة بالرخاء وتحقيق الاتحاد المنشود بين دول الخليج.
ولم تغب الأحداث السورية واستمرار النظام في ممارساته العدوانية بحق الشعب السوري والتأكيد على ضرورة الوقوف بجانبه عن خطاب سمو الأمير، حيث قال: «قد فشل مجلس الأمن فشلاً ذريعاً في حماية المدنيين من جرائم الحرب والإبادة الجماعية في مقابل إصرار النظام السوري على رفض الحل السياسي، واعتماد الحل العسكري الشامل». وطالب بضرورة إيجاد حل سياسي لحقن الدماء يلبي مطالب الشعب السوري في التغيير والأمن والاستقرار، عبر توفير الضمانات الكافية التي تكفل حقوقه وتحقق مطالبه العادلة». ولم يفوت سمو الأمير المناسبة الخليجية من دون أن يدعو المجتمع الدولي مجدداً إلى التوافق الدولي والإقليمي، وأن يتخذ مجلس الأمن القرار اللازم لوقف أعمال القتل والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام، وتحقيق الحل السياسي الذي يلبي تطلعات الشعب السوري.
وقد تطرق سمو الأمير المفدى إلى ملف الإرهاب بشكل أكثر وضوحاً من خلال عرضه رؤية لكيفية مواجهة هذه الظاهرة والتصدي لها بكافة السبل، وأن نقوم بعمل جماعي يحمي مقدرات المنطقة ويمنع شبابنا من الانخراط في مثل هذه الجماعات المتطرفة الضالة عن الحق، فقال: «إن ظاهرة الإرهاب التي يشهدها عالمنا المعاصر ومنطقتنا العربية على نحو خاص، وما تشكله من تحدٍ خطير للأمن والاستقرار والتنمية تستدعي منا ومن المجتمع الدولي بشكل عام تكثيف الجهد الجماعي، واتخاذ كافة التدابير اللازمة لمواجهتها واستئصال جذورها وعلاج أسبابها الحقيقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية».
وبمعادلة بسيطة أوضح سمو الأمير أن العنف والاضطهاد والقمع وسد آفاق الأمل تقود إلى العنف، وقال: «لا مجال أمامنا إلا مواجهة الإرهاب، ولكن لا بد أن تبذل جهود لتجنيب المجتمعات العربية آفة التطرف والإرهاب بالوقاية قبل العلاج، فالشباب الذين ينجذبون إليه لا يولدون متطرفين، ولا الإرهاب صفة تميز ديناً بعينه أو حضارة بعينها، والوقاية تكون بمعالجة الأسباب المتمثلة بنقص المناعة وبتقليل احتمالات انتشار العدوى قبل استفحال المرض».
ستظل القمة 35 لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بالدوحة نبراساً ودليلاً على حرص سمو الأمير المفدى «حفظه الله» على دعم مسيرة العمل الخليجي المشترك، ومواجهة التحديات وتحقيق تطلعات الشعوب، كما أنها عبرت بصدق عن توجه قادة دول مجلس التعاون على إشراك الشباب في صنع القرار لبناء مجلس متين متماسك، يدافع عنه الجميع ليستمر بنفس العطاء والقوة، وهو ما تجلى خلال مشاركة ممثلين لشباب دول الخليج في الجلسة الافتتاحية للقمة.
الثلاثاء الموافق 9/12/2014 لن يكون يوماً عادياً في تاريخ مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي، ولن تنسى شعوب المنطقة ما تحقق في هذه القمة من نتائج ستساهم في تقدم الإنسان الخليجي، ومن أهم نتائج هذه القمة في وجهة نظري:
1. بدء أعمال القمة بكلمة تمثل شباب وأبناء مجلس التعاون، استطاعوا من خلالها توجيه رسالة واضحة للقادة تؤكد أنهم قادرون على حمل الأمانة، وتحقيق النجاحات في مسيرة مجلس التعاون، خاصة إذا نالوا الفرصة الحقيقية.
2. مخاطبة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى «حفظه الله» القمة برؤية واضحة، كشفت مدى حرص دولة قطر على التمسك بمنظومة مجلس التعاون، والعمل على مواصلة مسيرة العمل المشترك بين دول الخليج بخطى أكثر فاعلية وعملية، ما يساهم في تحقيق تطلعات الشعوب الخليجية كافة.
3. تكريم أمير دولة الكويت الشقيقة «أمير الإنسانية»، هذا الإنسان والأب الحاضن لإنجازات مجلس التعاون، والحرص على أن تتواصل المسيرة دون تراجع أو تعطيل من أي طرف كان، يحمل هذا التكريم رسالة واضحة وصريحة للجميع بأن ما يتحقق من إنجاز لطرف هو نجاح للجميع.
4. حمل الإعلان عن بدء عمل جهاز الشرطة الخليجية معاني مهمة، ورسالة للمشككين في قوة العلاقات الخليجية - الخليجية مهما كانت الاختلافات في وجهات النظر، وأن هذا لن يؤدي إلى التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، بل على العكس هذه الثقة المتبادلة تؤدي إلى إنشاء مثل هذا الجهاز الأمني الحيوي.
5. صاحب القمة حضور إعلامي كبير مثّل كافة وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، من قنوات فضائية وصحف ووكالات أنباء وإذاعات تنافست في تغطية أعمال قمة الدوحة في ظل مناخ إعلامي مميز، بعيداً عن الشحن والتجاذبات السياسية التي أثرت في الفترة الأخيرة على الشارع الخليجي.
6. انعقاد أعمال القمة الخليجية في يوم واحد مؤشر إيجابي ودليل على التوافق الكبير الذي دار بين قادة الخليج في مختلف جلسات عملهم، وهذا الأمر نتج عنه بيان ختامي شامل لعديد من القضايا المرحلية التي تشهدها المنطقة.
7. رئاسة قطر للدورة الحالية لمجلس التعاون الخليجي تحمل الكثير من التطلعات بالنظر إلى المستقبل بعين التفاؤل والرضا، بأن منظومة مجلس التعاون ستكون أكثر نشاطاً وحيوية من خلال طرح المبادرات واللقاءات السياسية التي تصب في مجملها لصالح المنطقة وتقدمها.
ودمتم سالمين،،،
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.