الجمعة 19 رمضان / 24 مايو 2019
10:12 ص بتوقيت الدوحة

تميم وقيادة الإصلاح الخليجي والعربي

تميم وقيادة الإصلاح الخليجي والعربي
تميم وقيادة الإصلاح الخليجي والعربي
بعد نجاح الثورة المصرية في 25 يناير 2011، اجتمع وزراء خارجية العرب في القاهرة في الانعقاد الدوري لمجلس جامعة الدول العربية، وكانت الجلسة برئاسة وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي الذي هنأ ثوار مصر، وقال ملخصا طبيعة المرحلة السياسية والاجتماعية العربية: «هذه مرحلة الشباب، ويجب أن يكون للشباب دور في قيادة الأمة». وهذه العبارة لم تتمكن المجتمعات العربية من ترجمتها واقعا حتى تلك التي عاشت مخاض الربيع العربي ولا تزال، فقط الدوحة كانت استثناءً حيث قدم الأميرالوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني درسا حضاريا أذهل جميع الزعامات العربية الهرمة، بتقديمه أميرا شابا لقيادة البلاد.
فاجأ الأمير الشاب المراقبين ورجال السياسة والمتابعين، لا بصلابة عوده والتزامه بمبادئه فحسب -لأن ذلك ليس مستغربا من أمير شاب ينضح قوة وعزيمة وإصرارا- بيد أن ما أذهل الجميع هو تجلل تلك الروح الشابة الوثابة بتيجان الهدوء والرصانة والحكمة وعدم التهور والاندفاع خلف القوى المتآمرة ضد الأمة والمجتمع، ضد خيار الشباب العربي بالتغيير والإصلاح والتنوير.
وقد تجلت حكمة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أميردولة قطر، في ابتعاده عن الصدام مع بعض الزعامات الخليجية الداعمة للقوى التقليدية في دول الربيع العربي، حيث ارتأت تلك الزعامات أن دول الربيع العربي بحاجة إلى قيادات قوية قادرة على ضبط الانفلات الأمني فيها، وأن الخيار الديمقراطي الفجائي قد يتسبب في وصول تيارات ذات توجهات تعتبرها هذه الزعامات خطرا على أمنها الداخلي، بيد أن الأمير الشاب كان يرى ولا يزال أن الواجب على القيادات العربية دعم دول الربيع العربي واحترام خيار شعوبها، وأن دعم الشرعية الجديدة في دول الربيع العربي يؤدي إلى احترام شعوب تلك الدول لشرعية أنظمة الخليج، وأن أي تيار مهما كان حجمه وانتشاره لا يمكنه أن يؤثر على أمن دول الخليج واستقرارها التي تمثل الملكية فيها ليست نموذجا لنظام الحكم المتصالح مع الشعب وحسب، بل وجزءا من طبيعة دول الخليج الاجتماعية وهويتها الثقافية التي لا يجوز العبث بها ولا يمكن تغييرها بين عشية وضحاها.
كما تجلت حكمة الأمير تميم في حجه المستمر إلى العواصم الخليجية المختلفة، فيوم في الرياض وآخر في مسقط، ويوم في الكويت وآخر في دبي، وفي كل رحلة يصغي الأمير الشاب إلى حكمة الملوك والسلاطين والشيوخ والأمراء، فيعيد ترسيم حدود الاختلاف، مقدما المؤتلف، ومزحزا المختلف، ومجددا بناء تصوره لمشروع الإصلاح الخليجي والعربي الشامل، حتى وصل جميع القادة إلى قناعة راسخة مفادها أن المشروع القطري للإصلاح ليس مشروع فرد فحسب بل هو مشروع أمة أمرها ربها بالإصلاح والتواصل والتقارب وتعزيز أواصر الأخوة.
لقد انطلق المشروع القطري للإصلاح الخليجي من مبدأ التعددية والتأكيد على ثراء التنوع، وإعطاء مساحة للاختلاف الصحي بين الأشقاء، وهذه التعددية، هذا التنوع، هو ما قامت عليه المؤسسات الإعلامية القطرية التي أعادت تشكيل الوعي العربي، كقناة الجزيرة ومراكز دراساتها المحترفة.
فليس عيبا في البيت الواحد أن يكون أحد الإخوة ليبراليا، والآخر سلفيا، والثالث إخوانيا، والرابع مهتما بالبيئة، وغيرهم مهتما بالفنون والثقافة إلى غير ذلك، إن مثل هذا الاختلاف يمثل فسيفساء معرفية وإنسانية جميلة تثري الشعوب والمجتمعات، وعلى المستوى الخليجي هي تمد جسورا حضارية جديدة بين شعوب وقيادات دول المجلس، وهذه القناعة هي التي توافق عليها الجميع بفضل الجهود النبيلة لأمير الكويت الشيخ أحمد الصباح، والجهد العماني المتواري بعيدا عن الضجيج والأضواء.
إن أمام دول مجلس التعاون تحديات جسام، فإيران مقبلة على عهد جديد ترفع فيه العقوبات الدولية عنها، ومرحلة النهوض الاقتصادي الإيرانية لن تمثل مجرد تحد اقتصادي وحسب على دول الخليج العربي، بل ستمثل إضافة إلى ذلك تحديات سياسية وعسكرية واجتماعية وثقافية، بل وربما تؤدي إلى فوضى في بعض المجتمعات الخليجية إن لم يكن جميعها، كما أن النمو المتصاعد للاقتصاد الهندي، والحضور السكاني الهندي الهائل في المنطقة يضع دول المنطقة أمام تحد وجودي كبير، هذا فضلا عن أن انهيار الدولة في اليمن، وجميع دول المركز العربي ابتداء من بغداد، مرورا بدمشق، وانتهاء بالقاهرة وطرابلس يفرض على دول الخليج تحديات وجودية تجردها من جميع الخيارات سوى الخيار الذي اختاره أمير قطر الشاب، إنه خيار الإصلاح والتعددية والتنوع، إنه خيار الشباب العربي وربيعهم الذي سيبقى زاهرا متمددا أبد الدهر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.