الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
08:08 م بتوقيت الدوحة

خطاب منهجي وخارطة طريق واضحة للمستقبل

محمد حجي

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014
خطاب منهجي وخارطة طريق واضحة للمستقبل
خطاب منهجي وخارطة طريق واضحة للمستقبل
لم يكن خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام مجلس الشورى في افتتاح دورة الانعقاد العادي 43، بالخطاب البروتوكولي الاعتيادي الذي يوجه في مثل هذه المناسبات، بل على العكس من ذلك تماماً، إذ تخطى هذه المناسبة ليقف عند محطات مهمة معدداً الإنجازات التي تحققت في المجالين الاقتصادي والاجتماعي لدولة قطر، وذلك بالإضافة إلى استعراض أهم القضايا والتحولات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية ولا سيما منطقة الخليج العربي.

هذا الخطاب وإن كان يأتي كتقليد سنوي في افتتاح دورة انعقاد مجلس الشوري إلا أنه يمثل مناسبة مهمة لشعب قطر ولمتابعي الشأن القطري بهدف فهم سياسة قطر الخارجية، والاستماع إلى ما تم إنجازه على الصعيد المحلي، حيث قدم سموه شرحاً شاملاً لمسيرة العمل الوطني، وما تم تنفيذه من خطط استراتيجية في مجال التنمية المستدامة... وهذا ما يؤكد أن خطاب الأمير السنوي أمام مجلس الشورى أصبح خطاباً للمراجعة والتقييم على كافة الأصعدة، ولتوضيح رؤية الدولة المستقبلية وخططها الاستراتيجية التي تهدف في المقام الأول إلى تنمية المواطن القطري، وتعزيز دوره في تطوير دولته بمشاركته الفعالة في هذا الجانب.

ولم يفت سموه التأكيد على أهمية تقييم الأداء الحكومي في تنفيذ الخطط الاستراتيجية التي تم رسمها بهدف تحقيق رؤية قطر 2030، وهنا قال إن «الحرص على المراجعة على ضوء تقييم النتائج على أرض الواقع هو جزء من عملية تنفيذ الاستراتيجيات لكي نبني على إيجابياتها ونتلافى ما وقع من أخطاء»، وأضاف أن «الحكومة تقود حالياً جهود تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية 2011 - 2016، حيث أخضعت هذه لتقييم موضوعي بعد مرور ثلاث سنوات على تدشينها لرصد التقدم المحرز في تنفيذها، والتعديلات على أهدافها في ضوء التغيير في مختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية».

وبشفافية سموه المعهودة أوضح أن هذا التقييم قد أظهر أن عدداً من الجهات التي تشارك في مسيرة التنمية قامت بوضع خططها التنفيذية، كما أظهر أن التعاون والتنسيق المؤسسي بين هذه الجهات قد حقق بدايات إيجابية، ولكن ثمة جهات لم تستوف ذلك بعد، وقال سمو الأمير إنه أصدر توجيهاته لرئيس مجلس الوزراء لوضع خطط تتضمن جدولاً زمنياً واقعياً لحل قضايا المخازن والمناطق اللوجستية والمناطق الاقتصادية وخطة التصنيع وترخيص المصانع اللازمة للدولة، مع قائمة بالصناعات غير المرغوب فيها، مع حل قضايا سكن العمال، ووضع خطة لسد احتياجات الأرض في الدولة، وخطة لترويج القطاعات الاقتصادية والتجارية وتنشيط سوق المال والبورصة، والبدء في مشروع التجمع الزراعي الغذائي الأول، ووضع استراتيجية للسياحة، مع بيان بالمشروعات السياحية التي سوف تنجز خلال العامين القادمين.

وبعد أن استعرض كل ذلك أكد سموه على أن هذه الخطط لا توضع فقط لغرض إتمام الإجراء شكلياً، بل هي توضع لتطبق، لذلك طالب سمو الأمير أن يتم تصميم هذه المشروعات بحرص وعناية، وأن تكون قابلة للتنفيذ في إطار المعطيات بما فيها الميزانيات المتاحة، مشدداً على ضرورة أن تعتاد مؤسساتنا بدورها على احترام الخطة الموضوعة والمحاسبة بناء عليها وعلى أهدافها.

وفي الجانب الاقتصادي ودوره في تعزيز التنمية الوطنية قال سمو الأمير إن الاقتصاد الوطني كما كان دائماً يظل شاغلنا الأساسي، وإن تنويع مصادر الدخل أصبح ضرورة نعمل على تحقيقها بمختلف السبل، ومن أهمها إفساح المجال للقطاع الخاص للمشاركة بفاعلية في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي والتنمية الشاملة للدولة وتعزيز الاستثمارات للأجيال القادمة، كما أكد على أن الاقتصاد الوطني حقق أرقاماً متميزة خلال العام الماضي، ومن أجل هذا تعمل الدولة على الحفاظ على هذه الأرقام بمعالجة نسبة التضخم والحد منها عن طريق التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، وتشجيع المنافسة، ووضع جدول زمني لتنفيذ المشاريع الكبرى للحد من الضغوط على القدرات الاستيعابية.

وفي السياق نفسه، وتأكيداً لدور القطاع الخاص في التنمية قال سمو الأمير إنه الشريك الرئيسي في التنمية، فقد أقرت الحكومة برنامجاً طموحاً لتحفيز القطاع الخاص ودعم البنية التحتية للتجارة، إضافة إلى إعداد تشريعات وإجراءات جديدة تساهم في تطوير بيئة الأعمال، وترك أكبر حيز ممكن للقطاع الخاص للمساهمة في التنمية المستدامة في قطاع الأعمال، وذكر سموه أنه في إطار عدم منافسة الدولة للقطاع الخاص جرى التعميم بعدم تأسيس شركات أو الدخول في أنشطة اقتصادية بدون إذن من مكتب رئيس الوزراء.

وفيما يتعلق بالموازنة العامة كشف سمو الأمير أنه روعي في إعداد موازنة العام 2014 - 2015 رفع كفاءة الإنفاق الحكومي مع توجيه جزء كبير من الزيادة في المصروفات إلى تنفيذ المشاريع الرئيسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحية والنقل، موضحاً أن إجمالي ما سوف ينفق على هذه المشاريع سيزيد على %50 من إجمالي المصروفات في الموازنة العامة لهذا العام، حيث بلغت تقديرات إجمالي المصروفات 218.4 مليار ريال بزيادة قدرها 3.7 % عن الموازنة السابقة.

وتطرق الأمير إلى مسألة انخفاض أسعار النفط، وأكد في هذا السياق على قوة ومتانة الاقتصاد القطري، وأنه لن يتأثر بمثل هذه التطورات، وأن الميزانية مبنية على أساس تقديرات محافظة جداً لأسعار المحروقات، غير أن سمو الأمير جدد تأكيده على أن التبذير والإسراف وسوء التعامل مع أموال الدولة وعدم احترام الميزانية، والاعتماد على توفر المال للتغطية على الأخطاء هي سلوكيات لا بد من التخلص منها سواء كانت أسعار النفط مرتفعة أم منخفضة، وقال سموه إن العقلانية في الصرف مسألة اقتصادية من الدرجة الأولى، ولكنها ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل مسألة حضارية متعلقة بنوع المجتمع الذي نريده، ونوع الفرد الذي ننشئ في دولة قطر.

وفيما يخص الجانب السياسي وعلاقة قطر بمحيطها الخليجي أكد سمو الأمير أن مجلس التعاون يظل البيت الإقليمي الأول، ويأتي دعمه وتعزيز علاقاتنا بدوله الشقيقة كافة وتعميق أواصر الأخوة بيننا في مقدمة أولويات السياسية الخارجية لدولة قطر، ولذلك فقد أعلن الأمير عن ترحيب قطر بقادة دول المجلس في الدوحة التي تستضيف القمة الخليجية الشهر المقبل، معرباً عن أمله في أن تخرج هذه القمة بالقرارات التي تلبي وتحقق تطلعات وطموحات شعوبنا الخليجية، وتساهم في تحقيق ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وكعادة جميع خطابات سموه تكون القضية الفلسطينية حاضرة وبقوة، كونها تمثل أهم ركائز سياسة قطر الخارجية، وباعتبارها تحظى بمكانة خاصة لدى القيادة القطرية، محذراً في هذا السياق من استمرار سياسة الاحتلال والاستيطان في القدس والضفة الغربية والحصار على غزة، وتعثر مفاوضات السلام لحل القضية الفلسطينية.

ورأى سموه أن الأزمات الكبرى الأخرى في العراق وسوريا واليمن وليبيا ناجمة عن جر الحركات السلمية للشعوب إلى مواجهات دامية تتحمل مسؤوليتها القوى التي رفضت طريق الإصلاح والانتقال السلمي التدريجي، وواجهت الشعوب بالسلاح، محذراً من تنامي مخاطر الإرهاب والتطرف الذي يهدد بعواقب وخيمة.

وبعد هذا العرض الوافي لخطاب سموه أظنه تضمن ملامح رئيسية وقد يكون من أهمها:

1 - التركيز على الوضع الاقتصادي في جوانب عديدة من أهمها تأكيد سموه على أن اقتصادنا الوطني لم يتأثر بانخفاض أسعار النفط في العالم، وأن الموازنة أيضاً لن تتأثر بهذا العامل، لأنها مبنية على أسس علمية وواقعية.

2 - التأكيد على التنمية الشاملة للدولة وتعزيز الاستثمارات خدمة للأجيال القادمة.

3 - تطرق سمو الأمير إلى مسألة التبذير والإسراف، وتأكيده على ضرورة التخلص من هذه السلوكيات سواء كانت أسعار النفط مرتفعة أم منخفضة.

4 - في دعوة الأمير قادة دول مجلس التعاون لحضور القمة المقبلة بالدوحة تأكيد واضح على أن هذه القمة ستنعقد بالدوحة، وأن قطر حريصة بذلك على استكمال مسيرة مجلس التعاون وتحقيق تطلعات شعوب المنطقة.

5 - حظيت القضية الفلسطينية بمكانة خاصة في خطاب الأمير، حيث قدم سموه رؤية دولة قطر للقضية المركزية التي دوماً ما تكون شغلها الشاغل.

6 - تحذير الأمير من الإرهاب والتطرف، وضرورة عمل الجميع على معالجة هذه الظاهرة التي ليس لها علاقة بالدين الإسلامي.

وفي الختام، يمكن القول إن سمو الأمير -حفظه الله- استطاع من خلال هذا الخطاب الشامل والمنهجي أن يرسم خارطة طريق السياسة الخارجية القطرية خلال العام المقبل، إضافة إلى أنه استطاع أن يحدد ملامح الوضع الاقتصادي وأهم المشاريع التي ستعمل بها الحكومة، وأن مصلحة المواطن والوطن تأتي على رأس أولويات القيادة لتحقيق الرفاه والعيش الكريم في ظل بناء اقتصاد قوي يعتمد على موارد غير النفط والغاز... ثم مواصلة العمل بنفس الوتيرة خدمة للأجيال المقبلة.

ودمتم سالمين،،
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.