الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
05:24 ص بتوقيت الدوحة

إلى متى.. مأزقنا السكاني؟!

إلى متى.. مأزقنا السكاني؟!
إلى متى.. مأزقنا السكاني؟!

مما لا شك فيه أن حجم وخصائص سكان أي دولة يؤثران مباشرة في قدرة أي دولة على الإنجاز والتطور بشكل عام. لن أضيع وقتكم في سرد قصص نجاح بعض الدول التي تمكنت بفضل تركيبتها السكانية المميزة جداً من الصعود نحو القمة، بل والمحافظة على موقعها في الصدارة، ولكم أن تبحثوا في تاريخ التركيبة السكانية -على سبيل المثال لا الحصر- للولايات المتحدة وبريطانيا وسنغافورة وعدد من الدول الغربية والآسيوية.

تشير إحدى الدراسات المتخصصة في هذا المجال إلى أنه بحلول عام 2050 –نسأل الله حسن الخاتمة– فإن الاقتصاديات الناشئة والصاعدة مثل الهند والصين ستكون أكبر حجماً وقوة من اقتصاديات الدول المتقدمة حالياً.. بل إن بعض الدول الأوروبية المتقدمة اقتصادياً حالياً مثل النمسا وبلجيكا والدنمارك والنرويج والسويد ستخرج من قائمة أكبر 30 اقتصاداً في العالم، وذلك لانخفاض وتدني معدل نموها السكاني المستمر! والسبب في ذلك يرجع أولاً إلى ارتفاع معدل النمو السكاني في اقتصاديات الدول الناشئة كالهند والصين أولاً، ثم تركيبتها السكانية وخصائصها من حيث التحصيل التعليمي والمهني والمؤهلات الفنية أو ما يُعرف برأس المال البشري.

وعودة إلى قطر.. إليكم بعض التحليل..

بما أن معدل النمو السكاني بين المواطنين قد انخفض عبر العقود الماضية (انخفض من %18.9 عام 2008 إلى %5.8 عام 2012)، الأمر المتوقع استمراراه لعوامل ارتفاع سن الزواج والمستوى التعليمي للمرأة وانخفاض معدل الخصوبة وغيرها من الأسباب، وبما أن الدولة ولاعتبارات التنمية الاقتصادية المستمرة واقتصاد المعرفة في حاجة ملحة، شأنها شأن باقي الدول الخليجية، إلى الاعتماد على العمالة غير المواطنة، فإننا نجد أنفسنا أمام أحد هذه الخيارات فيما يتعلق بمأزق النمو السكاني:

- الاكتفاء بالنمو السكاني الحالي للمواطنين والمتوقع استقراراه وربما انخفاضه مستقبلاً، وبالتالي قد تجد الدولة نفسها في مأزق سياسي اقتصادي اجتماعي لا داعي للخوض في تفاصيله حالياً وإن كانت بعض من ملامحه بدأت في البروز في المجتمع القطري! ولعل مقترح زميلي د. ربيعة الكواري بتخصيص علاوة لكل طفل قطري، علاوة على طرح عدد من الخيارات والبدائل الأخرى المُشجعة لزيادة معدل النمو السكاني للمواطنين تستوجب التوقف عندها والنظر إليها بعين الاعتبار.

- مواصلة الاعتماد على العمالة غير المواطنة وهي حاجة مُلحة لا يمكن إنكارها، ومن المتوقع استمرارها بل وارتفاع نسبتها المستقبلية ليس في قوة العمل فقط بل في نسبة سكان الدولة إجمالاً، كما هو الحاصل حالياً، فالجدير بالذكر أن عدد سكان قطر تضاعف خلال عقد التسعينيات من 522,032 عام 1997 إلى 2,155,446 حسب إحصائيات وزارة الإحصاء المنشورة في مايو 2014. إلا أنه ما لم يتم ضبط وتقنين الاستعانة بالعمالة وبالذات غير المهرة (بلغت نسبة العمالة غير وشبه المهرة في قطر %71 عام 2011) فإنه ليس مستبعداً أن نستيقظ ذات صباح ونجد أنفسنا في كيرلا أو مانيلا.. ونجد أنفسنا أقلية تطالب بحقوقها في موطنها! بل لم يعد مستبعداً أن تنصهر هويتنا وثقافتنا وتتحلل تدريجياً لنجد أنفسنا نتلذذ بأكل «مكبوس النودلز» بعد أن شبعنا ولسنوات طويلة من التلذذ من «الجباتي والكرك»، والذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الوطنية!

ولو نظرنا إلى خصائص التركيبة السكانية الحالية لسكان قطر لوجدناها كالتالي: مجتمع ذكوري %75 في عام 2014 (يعود لارتفاع نسبة القوى العاملة الذكورية، حيث يقابل كل عامل قطري 15 عاملاً غير قطري، وكل أنثى قطرية يقابلها 5 إناث غير قطريات- مسح القوى العاملة بالعينة 2012، وزارة الإحصاء)، يافع نسبياً من غير تحديد لصالح المواطنين ونظرائهم غير المواطنين بإجمالي %74 في الشريحة العمرية 20 - 49 عاماً 2013. أما إذا نظرنا إلى خصائص القوى العاملة لوجدناها حسب بيانات 2012 مقاربة لخصائص السكان وهذا طبيعي جداً، فهي غير قطرية بنسبة %94 من الإجمالي، ذكورية بنسبة %75 ويافعة بنسبة %81 في الشريحة العمرية (20 - 42 سنة).

فهل من حلول أو بدائل لهذه المعضلة؟ يرى البعض من خبراء هذا المجال أن البدائل قد تكون في التالي:

- تجنيس أبناء القطريات الحاليين مع تقنين زواج القطريات من أجانب مستقبلاً وفقاً لضوابط ومعايير بما يتماشى مع سياسة الدولة في التجنيس، وبما يضمن حفظ هوية المجتمع، وبما يحفظ حقوق أبناء القطرية.

- تجنيس البدون والمقيمين وبالذات ممن وُلدوا هنا ولم يعرفوا غير قطر أرضاً ووطناً وحضناً لهم، وممن خدموا قطر أباً عن جد ولم يبخلوا عليها بعطاء وتضحية.

- وأقترح شخصياً تقنين استقدام العمالة الوافدة والتركيز على الاستعانة بأصحاب الكفاءات والمهارات المتميزة والقادرة فقط على إضافة القيمة الحقيقية لمجتمع واقتصاد وطننا، ووفقاً لضوابط ومعايير مُقننة ومُحكمة ومعتمدة في التوظيف وغير متروكة لأي كان حسب مصالحه الشخصية ومعاييره العشوائية. فاقتصاد المعرفة التنافسي والمتنوع الذي تسعى لتحقيقه دولتنا لا يحتاج إلى استقدام المتقاعدين للعمل كمستشارين في مشاريع الشباب والطفولة والمرأة والمجتمع، ولا من يتقن الإنجليزية فقط لتطوير مشاريع الهوية والتراث والتعليم والصحة لمجتمعنا الناطق بالعربية، بل يحتاج اقتصادنا إلى اعتماد آلية واضحة المعايير والمقاييس في عمليات اختيار وتوظيف العمالة غير المواطنة وتحديد القيمة المضافة والممكن قياسها لاحقاً من قبل الدولة.

آخر الكلام..

أُطلقت رؤية قطر الوطنية 2030 عام 2008 بهدف جعل قطر بلداً متقدماً دائم التنمية يبني جسراً بين الحاضر والمستقبل، من خلال جعل جميع القطريين يعملون معاً على تحقيق هذه الطموحات، ومن خلال المشاركة في التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وما زال تحدي مطابقة حجم ونوعية العمالة الوافدة مع مسار التنمية المستهدف يكلفنا حكومة وشعباً الكثير من الضرائب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.. ما لم يتم تقنينه وضبطه.. وفي ظل غياب البدائل الأخرى.. وتدني النمو السكاني للمواطنين وعدم كفاية القوى العاملة الوطنية! فهل من مخرج لهذا المأزق السكاني في الأفق القريب أم سيترك الأمر للأجيال القادمة للصراع على وطنها من أجل انتزاع حقوقها.. المكتسبة؟

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.