السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
07:33 م بتوقيت الدوحة

هل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية؟

208
هل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية؟
هل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية؟

لحقت قطر بباقي دول الخليج في إصدارها لقانون الجرائم الإلكترونية، والذي تم إصداره الأسبوع الماضي، والذي جاء كردة فعل طبيعية لما يشهده فضاء الإنترنت محلياً وإقليمياً وعالمياً من جرائم وانتهاكات وصلت بعضها إلى الإرهاب، وبعيداً عن نصوصه العامة التي تشير لحماية الدولة من الإرهاب بأشكاله المتعددة وصيانة أمنها بشكل عام، سأتناول ثلاث نقاط رئيسية لعل وعسى فيها الإفادة:

أولاً: نأمل أن يتمكن هذا القانون من خلق وجعل البيئة الإلكترونية في قطر آمنة بما يكفل حماية الوزارات/المؤسسات الحكومية والعامة والخاصة من «شهوة الانتقام» لأي من موظفيها ومنتسبيها -والتي تتولد لأي سبب كان- والذين يقومون عادة بتسريب وثائق ومستندات الوزارات/المؤسسات، وخاصة إلى صحف التطبيل الصفراء، وقيام الأخيرة بنشرها دون التأكد من صحتها ومراجعتها القانونية! فكم قرأنا وتابعنا عشرات، إن لم يكن مئات التحقيقات الصحافية غير المهنية والبعيدة تماماً عن معايير وأخلاقيات النزاهة والأمانة الصحافية.. رغم ادعاء «بعضها» بحثها عن الحقيقة حتى ولو كان في «حقيبة الشانيل للمديرة»، كما عبّر أحد الصحافيين يوماً ما لإحدى المسؤولات! وما هي في واقعها إلا مجرد نقل حرفي، وإن كان باطلاً من بعض الموظفين ذوي المصلحة، غالباً المتضررين إدارياً أو مالياً أو المفصولين أو الصحافيين المأجورين.. فتكون في مجملها مجرد «فقاعات إعلامية» لمصالح شخصية لمرضى ندعو لهم بالشفاء! وكم من موظف ومسؤول تم التجني عليه زوراً وبهتاناً استناداً إلى أقوال شفوية «منقولة» دون براهين مُوثقة يتم التدقيق عليها قانونياً ومهنياً بالعرف الصحافي الإعلامي.. والأخلاقي! ويحضرني في هذا المجال تحقيق صحافي قرأته مؤخراً في إحدى الصحف الأميركية عن تخفيض رواتب الموظفين وإنهاء خدمات بعضهم في إحدى الشركات الأميركية، حيث قام الفريق الصحافي «وليس الصحافي الفلتة والمتواجد وقت الحدث بسرعة هبّ الريح»، بمقابلة الموظفين المتضررين أولاً، ثم التحقق من صحة ادعاءاتهم ووثائقهم بتحقيق صحافي مهني ومحترف مع أصحاب القرار في الشركة، ثم استشارة أهل القانون والاختصاص، ثم تقديم تحليل مهني منهجي مُنصف وعادل خرج إلى عدالة القرار للبعض وظُلمه للبعض الآخر.. مما دفع الافتراء عن الشركة من ناحية بعض الموظفين المنهية خدماتهم، وفي الوقت ذاته أرجع للبعض الآخر حقوقهم القانونية المُهدرة! ولا أملك أي تعليق للمقارنة بين التحقيق أعلاه وبين نظيره المُعد من صحافي وموظفي وخبراء «عطارد» المؤسسي والإعلامي! فهل لنا في هذا القانون حماية للوزارات والمؤسسات من موظفين وإعلام غير أمين على أمانته؟! ولا مجال هنا للحديث عن حق الموظف العام والإعلام النزيه في إثارة الرأي العام وتوعيته حول قضايا الإصلاح والتطوير المؤسسي، والتي كان وما زال لها الأثر الطيب في التغيير المؤسسي المحمود، فهو حق مكتسب وليس منة ولا فضلاً من أحد على أحد.. ولا مجال أيضاً للحديث عن ممارسة ذلك الحق في بيئة إعلامية حيادية.. وبيئة إلكترونية مُقننة ورادعة لأي تجاوز أخلاقي وقانوني! فهل نستبشر خيراً بقانون آمن للجرائم الإلكترونية؟!

ثانياً: نأمل أن يتمكن هذا القانون من حماية الحياة الشخصية للناس -المواطنين والمقيمين على حد السواء- من شر الاختراق والتشهير والإساءة ونشر الإشاعات غير الصحيحة عنهم «لحاجة في أنفسهم»! ولعلّ نظرة سريعة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» ستشير إلى أن أسهل مهمة يمكن القيام بها اليوم هي الإساءة إلى أي كان من العباد والتشهير به من خلال نشر سمومهم المريضة وأحقادهم الدفينة.. وليس فقط من وراء اسم مستعار.. بل والعجب العجاب من وراء اسم مُعرّف دون خوف من عقوبة أو رادع قضائي.. طالما سيتم حفظ شكاوى المتضررين.. وتظلماتهم في الأدراج وحبرها لم يجف بعد.. ودون أي رهبة من انتقام السماء! وما يضحكني في الموضوع أن بعض المرضى بإدمان التشهير والإساءة للخلق -وبعيداً عن لذة الانتقام أو الحقد الدفين أو الحسد المريض- إنما يقومون بذلك رغبة في زيادة عدد متابعيهم في «توتير».. فحداثة نعمتهم الثقافية بـ «تويتر» جعلتهم لا يكتفون بشراء المتابعين كما يقومون بشراء الذمم.. بل جعلتهم ينتهجون سياسة «مع الخيل يا شقرا» تارة، و «حشر مع الناس عيد» تارة أخرى، دون أي رادع ديني أو أخلاقي أو حتى «سنع» أو «منقود» في الحوار والطرح، وبالذات مع الجنس الآخر.. سياسة أثبتت نجاحها وفعالياتها مع الكثير من أصحاب الأسماء المستعارة.. فما أسهل الابتلاء على الخلق.. وما أسهل التلاعب بالكلام.. والأعراض.. والذمم!! لقد نص القانون الجديد في إحدى مواده على الحبس 3 سنوات والغرامة 100 ألف ريال ضد من ينتهك خصوصيات الآخرين، وينشر عنهم أخباراً أو صوراً أو تسجيلات حتى لو كانت «صحيحة».. فهل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية في «إنصافنا» من بعض الذين يقومون «بانتهاك خصوصياتنا ونشر أخبار غير حقيقية».. بهتاناً وزوراً؟!

ثالثاً: نأمل أن يتم تدريب وتأهيل أهل الاختصاص في القضاء وقطاع المحاماة في ثقافة وقوانين وتشريعات وإجراءات الجرائم الإلكترونية ليست فقط المحلية، بل الإقليمية والعالمية، وذلك لتفاقم الحروب الإلكترونية واتساع أبعادها الجغرافية والزمانية من جهة، وتسارع تطوراتها بما يصعب اللحاق بها من جهة أخرى. فالجرائم الإلكترونية أصبحت من أكثر الجرائم شيوعاً وتنظيماً، بل وربحاً لدرجة أن إيراداتها فاقت إيرادات تجارة المخدرات، كما صرح مرة مدير الإدارة العامة للمباحث الجنائية في الكويت، لذا فإن تأهيل القائمين على إداراتها وتنظيمها وضبطها وتقنينها بل وتوعية المجتمع بها.. أمر حتمي لا خيار فيه.. وأذكر هنا ما نقله لي أحد الزملاء رفض 3 محاميين قطريين لقضية له تتعلق بالجرائم الإلكترونية، بحجة عدم وجود قانون منظم لذلك تارة، وعدم تمكن القضاء منها تارة أخرى، وبالتالي عدم استعدادهم لخوض قضايا محكوم عليها بالحفظ والفشل مقدماً. فإصدار القانون وحده ليس كافياً في حد ذاته ما لم يتم تأهيل القائمين على تنفيذه لسد أية ثغرات محتملة.. وما لم يتم تثقيف المجتمع بأكمله حول تفاصيله وبنوده.. فهل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية في تعزيز قوة الأمن والقضاء والمحاماة وصورتهم في المجتمع؟!

آخر الكلام

لم أجد ما أنهي به المقال لتذكيركم ونفسي أصدق من جملة صاحب السمو تميم العز والكرامة «لا يجوز أن يعتبر أحد أن له حق أن يتعين في منصب أو وظيفة عمومية دون أن يقوم بواجباته تجاه المجتمع والدولة».. الرسالة واضحة جداً.. والوطن كان وسيظل أمانة في أعناق المؤتمنين عليه.. فهل نستبشر خيراً بقانون الجرائم الإلكترونية في حفظ أمانة الوطن؟!

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.