الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
02:19 ص بتوقيت الدوحة

أوهام حول الأوطان

أوهام حول الأوطان
أوهام حول الأوطان
يتصور الناس واهمين، أن الانتماء لبلد ما، يستوجب الذهاب إلى ضابط الهجرة والجوازات، والتوقيع على الأوراق الخاصة بجواز السفر الجديد، الممغنط، وإحداث التغيير المطلوب في خانة الجنسية، هنا فقط، تصبح مواطنا كامل الدسم والامتيازات، ويحق لك التوجه لأقرب بنك وطني، للحصول على القرض الشخصي المطلوب، أما ما دون ذلك، أو فوقه، فلست إلا دودة زائدة في جسد هذا الوطن، أو ورقة صفراء يابسة، عالقة فوق أغصان أشجاره، سقوطها أو بقاؤها، مسألة لا معنى لها إطلاقا.
يتصور الناس واهمين، أن الأوطان ملابس، مجرد ثياب بالية، يخلعها المرء متى شاء، وكيفما شاء، يستبدل الكُمَّ الأطول بالأقصر، والأقصر بالأطول، ويُخِلُّ بمعادلة الأزرار الرسمية، يسقط زِرًّا أو يضيف آخر، المهم أن يخلع عن كاهله العنوان السابق، ويعلن عنوانه الجديد، هكذا وبكل بساطة، أصبحت الآن أنتمي للشارع الثاني، وأستوطن الجادة الخامسة، والحبال التي كانت تشد وثاقي لترابي تقطعت، حبلاً حبلا.
يتصور الناس واهمين، أن الأوطان مجرد كلمات في مواقع التواصل الاجتماعي، تهاجم تارة، وتدافع تارة، تبدأ الحملة الفلانية عند الصباح، وتختم بحملة المساء، وأنها، وطنيتهم المزعومة، رهينة الوسم الأمني، الذي يقرر الجندي المناوب إطلاقه في ساعة الصفر المطلوبة، بعد أن قرر الجندي الثقافي شكله وعنوانه ومضامينه وأهدافه، وبذلك، تكون الأبجدية ميدانا للتنافس الوطني، من أكثر بذاءة، وأكثر شراسة، وأكثر إنتاجا للكلمات الوطنية، وكم عدوا مستهدفا أصبت، وكم خصما أرديت، وكم قيمة هدمت، وهكذا، حتى يصل المنسوب الوطني إلى أعلاه، فنجرد في نهاية اليوم –بالكلمات– قتلانا ومن معنا ومن يقف ضدنا.
يتصور الناس واهمين، أن الأوطان مزايا، فيعدد ابن القبيلة امتيازاته الوطنية عند ابن القبيلة الآخر، سيئ الحظ، والذي كان نصيبه خلف شريط الامتيازات الأكثر والأوفر، بمزايا أقل، وفرص أدنى، ويحدث النقاش الوطني التالي: كم مترا مربعا تمنحك المشيخة الوطنية؟ وكم من الدنانير الذهبية تنال مقابل الذود عن حماها؟ وماذا لو قررت تغيير العنوان والذود عن حمى المشيخة المقابلة؟ وهكذا، جدال مُحاسبي حول العائد المتوقع من كل وطن تختاره، أو يختارك لتكون عضوا فيه، بالحظ، أو بغرض النكاية، أو في خضم التنافس للتباهي وعرض الرعايا!
يتصور الناس واهمين، أن القبيلة وطن، وأن المذهب وطن، وأن الامتيازات وطن، وأن الطبقة الني ينتمون لها وطن، وأن أوراق الثبوتية وطن، وأن صورة حاكمهم وطن، ولا يملك أحدا منازعتهم على تصوراتهم وأوهامهم وخيالاتهم مهما شطت، لكنهم لا يتركون لك هامشا للمناورة، ولا يقبلون بتصور مختلف لك عن كل ما يرسمونه من أوطان، ولا يسمحون لك بالتغريد خارج أسرابهم، ولا يتفهمون خيالك، أحلامك، أوهامك حتى، وكل ما هو مطلوب أن تجيب عن استفساراتهم، وانشغالهم الدائم فيك، أن لا تخرج لحظة عن حصارهم، وأطماعهم، وأن تحدد انتمائك لامتيازاتهم، وتتشابه أوراقك مع أوراقهم، أن تكون نسخة مكررة مملة منهم، ولا شيء غير ذلك.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

في الحارث الضاري

15 مارس 2015

حماس الإرهابية

01 مارس 2015