الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
11:33 ص بتوقيت الدوحة

المنطقة تختنق

المنطقة تختنق
المنطقة تختنق
علينا وقبل كل شيء، الخروج من حالة المكايدة التي نعيشها في العالم العربي، الترفع مرة واحدة وبشكل حقيقي عن صراعاتنا الثانوية، خلافاتنا الفكرية، التباين في المواقف السياسية لكل منا، حتى نتمكن من تحديد ما نحن عليه اليوم، وتوصيف حالتنا الراهنة، إن أكثر ما نحتاجه اليوم مواجهة واقعنا بصراحة شديدة، دون سلم الأولويات المتوهم في أذهاننا، والذي يقول لنا ما هو الأهم، وما هو المهم وغير المهم، بناء على اهتماماتنا وصراعاتنا وخلافتنا ومشاكلنا، هذه الطريقة من التفكير التي تعيق أي نجاح محتمل في واحدة من القضايا التي تواجهنا.
لا يمكن أن يتجرأ أي منا على وضع «روشتة» حلول جاهزة لمشاكلنا المعقدة، لأنها في غاية التعقيد أولا، ولأنها كثيرة جدا، ولأن أحدا لا يمكنه الادعاء بوجود حلول جاهزة لديه لهذه المصائب المتنزلة على بلادنا، ولأن الأسباب والحلول متشابكة ومتداخلة بشكل لا يمكن تخيله، ولأن المشاكل لم يتم تحديدها بالشكل الدقيق، نستطيع بنظرة عامة وغير فاحصة تحديد مواضع الوجع العربي من حولنا، العراق وسوريا ومصر وفلسطين واليمن وليبيا، ولكننا لا نتمكن بسهولة -كما نتوهم- من تحديد موضع الخلل الحقيقي في هذه الأوجاع والجروح التي أصيب بها الجسد العربي، وقد نجد الإجابات الجاهزة التي تشفي غليلنا، وتعفينا من مهمة البحث والتدقيق والمراجعة، الاستبداد هو العلة، وهذا صحيح لكنه غير كاف، الاستعمار ونشاطه المحموم وتدخلاته التي لا تتوقف أبدا، وهذا أيضا صحيح، لكننا نخطئ إذا اعتمدناه سببا وحيدا لعلاتنا، بل إن نمط التفكير الذي قام على أحادية الأسباب هو مصيبة بحد ذاته، ويمكن ضمه لقائمة الأسباب التي أوصلتنا لهذا الحال.
في العراق وسوريا، يتجلى وجه مصائبنا الكبرى، كل العلات والأمراض في هذا الجزء العزيز من بلادنا، ونضيف له فلسطين ولبنان بكل تأكيد، واللتين تراجعتا أمام الانفجار الكبير في البلدين الكبيرين، ودعونا نعدد الأمراض المصاب بها هذا المشرق الجريح، علة السيادة أولا، فلا عراق اليوم ولا سوريا أو لبنان أو فلسطين يمكن الاطمئنان فيها لمسألة السيادة الوطنية، اللاعب الأجنبي يملك ما لا يملك أبناء الوطن، ولكم أن تتذكروا مسألة بقاء بشار الأسد، ورئاسة ميشال سليمان، والتجديد لنوري المالكي، وغير ذلك من الحوادث التي تفضح مسألة السيادة وتجعلها أولوية لا يمكن تجاهلها، وإلى جانب السيادة يأتي الاستقرار الذي بات حلما لأبناء هذه الأوطان، للدرجة التي أصبحت معها روح ودماء الناس آخر ما يمكن الحديث عنه، ثم تأتي المواطنة والانتماء، والتي استطاعت الطائفية تفتيتها وتهشيمها بشكل غير مسبوق، وأصبح المذهب والعرق والدين سيد اهتمام الناس وحديثهم، والبوصلة التي توجه مواقفهم.
هذه أوطان بلا سيادة حقيقية، ولا استقرار، ودونما عنوان وطني يجمع الناس ويوحدهم لمواجهة قضاياهم، ثم يأتي الوضع الاقتصادي المتردي فيزيد الطين بلة ويخلط كل الأوراق، وتقوم الدول الأخرى بما يتبقى من مهمات لتدمير كل ملامح الحياة في هذه البلاد، هذا في المشرق، فماذا عن البلاد الأخرى؟ مصر وليبيا واليمن، وماذا عن دول الخليج، التي تسهم بشكل لا يمكن إنكاره في كل هذه المصائب؟ هل تبدو هذه الدول الغنية بلا مشاكل داخلية، وهل يبدو استقرارها ونموها مسألة منتهية وخارج النقاش؟ قطعا لا، لدينا من المشاكل في الخليج ما لا حصر له، قضية الإصلاح والمواطنة وترشيد الحكم، وضبط التوجهات في السياسة الخارجية، ولدينا قضايا مؤجلة لا نهاية لها، إننا كما نسهم في مشاكل الآخرين، وتحت عنوان إصلاح حياتهم وحماية أنفسنا، ننغمس في هذه الدوامة يوما بعد يوم، ونقترب من دائرة الخطر بشكل لا يمكن توقعه.
حديث المشاكل طويل، ولكنه حديث ضروري، وما لم نتوقف أمامه ونمنحه الوقت الكافي، وبالآليات الصحيحة التي تدرك خطورة هذه المشاكل وأهميتها، فإن كل ما نفعله هو الغرق أكثر فأكثر، مما يعقد من تجاوز هذه المصائب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

في الحارث الضاري

15 مارس 2015

حماس الإرهابية

01 مارس 2015